الرجل الأول في الثورة العباسية والعمود الذي قامت عليه الدولة الأولى.. إنه أبو مسلم الخُراساني

طارق الشافعي
كتب
0

ساهم في نجاح الثورة العباسية عديد من العوامل، التي أدت إلى صعود كلمة بنى العباس، وزوال دولة بني أمية من الشرق. ولكن إن شئنا أن نختصر تلك العوامل في ثلاث كلمات، فلن نقول أكثر من: "أبو مُسلم الخُراسَاني"..!

هو إبراهيم بن خكّان، فارسي من أصفهان، وهناك بعض الروايات (غير المؤكدة) تنسبه لآخر الأكاسرة يزدجرد الثالث، والذي يقال إنه تنبأ بصعود الفرس مرة أخرى برجل من احفاده، وذلك حين تم إجلائهم عن المدائن (طيسفون) بعد معركة القادسية. ولد الخراساني تقريبا عام 718م وذهب منذ حداثة سنه إلى مرو أكبر مدن اقليم خراسان للدراسة، وهناك التقى بإبراهيم بن الإمام محمد من بني العباس فقربه منه، ثم أرسله إلى خراسان داعية بعد أن لمس فيه إخلاصاً وحماساً وشجاعة وعلماً رغم حداثة سنه. كان الخراساني خطيبا مفوها وذو منطق فقام في خراسان واستمال أهلها، إلى أن وثب على ابن الكرماني وَالِي نيسابور من قبل الامويين فقتله واستولى عليها. وكانت هذه الحادثة هي الشرارة الأولى في ثورة العباسيين وإيذانا بتحوُّلها من السرية للعلن. 


وسيّر أبو مسلم جيشًا لمقاتلة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، فهزمه هزيمة منكرة على ضفاف نهر دجلة، وفرّ مروان ومن تبقى معه إلى مصر، فقُتل في بوصير وزالت بذلك الدولة الأموية في المشرق سنة 751م. واستمر أبو مسلم بعدها في الدعوة للعباسيين رغم موت الإمام، حيث اتخذت دعوته طابعا عنيفا، فاخضع الرِّقاب ووطأ المنابر وأذل الأعزة باسم الدولة العباسية وخليفتها الأول أبو العباس "السفاح". وقاتل الخرساني طوائف عديدة من التُرك والخَزَر واللان والأرمن والرُوم والصقالبة وغيرهم، فكسرهم وقهرهم، وقد كان شجاعاً مِقداماً حازماً لولا أن جنده خذلوه في أخر أمره أمام العباسيين، لما كانت له تلك النهاية المأساوية! فبعد ان ارتفعت مكانته بين الناس، وكان مطاعا مهاباً معظماً من أتباعه، خشى منه الخليفة أبو جعفر المنصور، والذي قيل له ان الخراساني يحتال لتأسيس دولة فارسية! فارسل الخليفة إليه واحتال لقتله، وقال بعدها لأهل خراسان قبل ان يثأروا لموت أبي مسلم: "أيها الناس لا تخرجوا من أُنس الطاعة إلى وَحشة المعصية ولا تُسرُّوا غِش الأئمة"! ومات أبو مسلم الخرساني عن سبعة وثلاثين عاما، نقل بعض المؤرخين عنه مقولة للخليفة العباسي المأمون يرتفع فيها أبو مسلم لمنزلة عظيمة إذ يقول: "أجلّ ملوك الأرض ثلاثة وهم الذين قاموا بنقل الدنيا وتحويلها: "ذو القرنين وأردشير وأبو مسلم الخرساني.."!


قال عنه القاضي شمس الدين في سير أعلام النبلاء إنه كان قصيرا أسمراً، نقي البشرة، أحور العين، عريض الجبهة، حسن اللحية، طويل الشعر، طويل الظهر، جهور الصوت، فصيحا بالعربية وبالفارسية، حلو المنطق، وكان راوية للشعر، عارفا بالأمور، لم يُرى ضاحكا ولا مازحا، تأتيه الحوادث العظام، فلا يظهر عليه أثر السرور، وتنزل به الفادحة الشديدة، فلا يرى مكتئبا! وكان إذا غضب لم يستفزه الغضب، وكان لا يأتي النساء في العام إلا مرة واحدة (!!) ولعله يقصد انه كان عفيف النفس، منشغلا على الدوام بأعباء الدعوة والثورة والحرب والخلافة. ويشبهه بعض المؤرخين بالحجاج بن يوسف الثقفي في كثرة القتل وسفك الدماء ففي حروبه ومعاركه قتل خلقاً كثيراً، وكان يأخذ الناس بالظنة (أي يقتل لاقل الأسباب) وأجرى مذهب القتل فيمن خالف سلطانه ولم يكن له صاحب أو مؤتمن، ولكن ما نهاية كل هذا؟

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)