نعلم جميعا أن محمد علي باشا قضى على منافسيه من المماليك بعد أن دعاهم للوليمة الشهيرة بالقلعة، فقضى على المئات منهم في مارس عام 1811م. ولكن قد لا تكون مشهورة لدينا تلك المذبحة الأخرى التي حيكت للماليك الفارين جنوبا إلى الصعيد في إسنا عام 1812م.
| الرحالة السويسري جون لويس بوركهارت |
يروي لنا الرحالة السويسري بوركهارت، عن هذه الواقعة، والتي حضرها اثناء رحلته لصعيد مصر: "اعتصم هؤلاء الفرسان الاشداء (يقصد المماليك الفارين إلى الصعيد) بالجبال التي يسكنها عرب العبابدة والبشارية، ونفقت خيلهم جوعا، واضطر حتى أغنى بكواتهم إلى بذل آخر فلس لإطعام جندهم، وذلك لأن العرب كانوا يبيعونهم الزاد بأفحش الأثمان. ولما حرموا أسباب النعيم والترف التي كانوا فيها بمصر منذ صباهم، رأى إبراهيم بك (ابن محمد علي باشا) الفرصة مواتية لاقتناصهم في الفخ كما فعل أبوه بإخوانهم في القاهرة (طبعا يقصد مذبحة القلعه) وإذ صحت عزيمته على ذلك أرسل إليهم يؤمنهم ويقطع لهم أوثق العهود إذ هم نزلوا من الجبل، ويتعهد بتقليدهم وظائف في حكومة محمد علي تتفق ومراتبهم. ولا يكاد المرء يصدق كيف انطلى هذا العرض الكاذب على أكثر من أربعمائة مملوك على رأسهم عدد من البكوات، مع علمهم بمذبحة القاهرة التي وقعت في العام السابق".
يكمل بوركهارت: "وهبط المماليك الجبل في جماعات صغيرة، وبينما هم في الطريق جردعم الأعراب الخونة من ثيابهم، فوصل الجميع إلى معسكر إبراهيم بك قُرب اسنا عُراة باستثناء ثلاثين منهم تقريبا. وبعد أن التأم شملهم ولم يعد ينتظر وصول هذه القلة (أي الثلاثين المتأخرين) فصدرت الإشارة بذبحهم، فذُبحوا عن بكرة أبيهم، هم ونحو مائتين من العبيد السود، ذبحهم جنود ابراهيم بك كالنعاج في ليلة واحدة، ولم يترك منهم على قيد الحياة سوى مملوكين فرنسيين إستجابة لتوسلات كلوت بك الطبيب الخاص بالجيش والمرافق لابراهيم بك... وأعجب العجب أنك لا تزال تجد من الناس من بلغت بهم الغفلة مبلغا يوقعهم في فخاخ كهذه".
هذه المذبحة لا يتحدث عنها كثيرا من المؤرخين، ويرودها الرافعي سريعا في كتابه عن محمد علي باشا، حتى الأجانب يهتمون اكثر بمذبحة القاهرة ويتناولها الرسامين في أعمالهم الفنية، ولا يلتفت ايا منهم لمذبحة إسنا.
