حقيقة اغتيال المظفر قطز على يد بيبرس واسباب ذلك كما ذكرها المؤرخون

طارق الشافعي
كتب
0

اتفق غالبية مؤرخي العصر المملوكي على ان مقتل السلطان المظفر قطز كان على يد القائد المملوكى ركن الدين بيبرس، وان ذلك كان عقب معركة عين جالوت عام 1260م وهم في طريق العودة الى مصر. 


يقول ابن ايبك الدواداري (وهو مؤرخ معاصر للحدث) أن سبب ذلك هروب بعض المماليك البحرية أصدقاء بيبرس من أرض المعركة أمام المغول فى يوم "عين جالوت"، فلما انتهت المعركة، يقول ابن أيبك: 

"وانتصـر الإسلام، وتنمّر عليهم السلطان المظفر ووبّخهم، وشتمهم، وتوعّدهم، فأضمروا له السوء، وحصلت الوحشة منذ ذلك اليوم، ولم تزل الأحقاد والضغائن تتراءى فى صفحات الوجوه وغمزات العيون، وكل منهم يترقب من صاحبه الفرصة".

 

أما الأمير المملوكى والمؤرخ بيبرس الدوادارى المنصوري (وهو ايضا معاصر للأحداث) فيقول إن مقتل قطز يعود لأسباب أهم وأعمق من تلك التى طرحها ابن أيبك، فقد كان قطز ضالعًا فى مقتل الأمير فارس الدين أقطاى، أحد كبار الأمراء المماليك الصالحية أثناء التنافس المحموم بين السلطان أيبك وأقطاى على السلطنة، وقد اشترك قطز فى تلك الوقعة، يقول: 

"وذلك أنه (يقصد قطز) رحل من دمشق عائدًا إلى الديار المصرية وفى نفوس البحرية منه ومن أستاذه ما فيها لقتلهما استاذهم أقطاي، واستبدادهما بالملك وإلجائهم إلى الهرب والهجاج، والتنقل فى الفجاج، إلى غير ذلك من أنواع الهوان التى قاسوها، والمشقات التى لبسوها، وإنما انحازوا إليه لما تعذر عليهم المقام بالشام، والتناصر على صيانة الإسلام لا لأنهم أخلصوا له الولاء، أو رضوا له الاستيلاء".

 


ولكن المؤرخ تقي الدين المقريزى (وقد عاش في فترة زمنية لاحقة، ونقل عن سابقيه بتدقيق) فيرى أن سبب الأزمة هو رفض قطز إعطاء ولاية حلب للأمير بيبرس "فأضمرها ذلك الأخير فى نفسه، ليقضى الله أمرًا كان مفعولا". والحق أن أسباب مصرع السلطان سيف الدين قطز تبدو أكثر تشابكًا من رواية رفضه تسليم نيابة حلب للأمير بيبرس، وأن هذا الرفض لم يعدُ أن يكون سببًا مباشرًا لمقتله عند الحدود المصرية، والواقع أن تلك الأسباب قديمة ترجع إلى أيام السلطان أيبك وتشـريده معظم المماليك البحرية الصالحية، وقتله زعيمهم أقطاي، إذ صار مماليك أيبك وهم المعزية ومنهم قطز، أصحاب النفوذ والسلطان فى مصر.

 

وقد روى المؤرخ ابن إياس (وقد عاصر نهاية العصر المملوكي) فى هذا الصدد: "ولما تم أمر بيبرس فى السلطنة، رسم بإحضار المماليك البحرية الذين كانوا منفيين فى البلاد". كما روى ابن إياس أيضا فى موضع آخر، وكذلك المقريزى، أن المماليك المعزية حاولوا اغتيال بيبرس، عقب عودته إلى القاهرة، فقتل بعضهم، وسجن ونفى البعض الآخر. وهذه النصوص وإن دلت على شيء، فإنما تدل على أن مقتل قطز كان نتيجة لعداء قديم مستحكم بين المماليك البحرية الصالحية والمماليك المعزية.

 



وهكذا فإن مقتل السلطان المظفر قطز على يد بيبرس لا خلاف عليه، ولكن الخلاف كان لأسباب فرعية وتفاصيل لا تؤثر على مصداقية تلك الروايات.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)