أشهر وأهم مؤرخي المغول.. ماذا تعرف عن رشيد الدين الهمذاني؟

طارق الشافعي
كتب
0

هو فضل الله الهمذاني المعروف بـ«رشيد الدين»، طبيب وعطار وعالم ومؤرخ فارسي من أصل يهودي. ولد في همذان عام 1247م واليها يتم نسبه، واعتنق الإسلام هو وعائلته، وكان في نحو الثلاثين من عمره، ودرس الحديث والفقه على مذهب السنة.إلتحق للعمل بالبلاط كطبيب وبدأ الخدمة في عهد أبغا خان (أباقا ابن هولاكو) وارتقى ليصبح الوزير الأعظم للبلاط الإلخاني في سلطانية. وشغل منصب وزير وطبيب في عهد الإمبراطور الإلخاني غازان وأولجيتو قبل أن يسقط في مكائد البلاط في عهد أبو سعيد بهادر خان، الذي قتل وزرائه، فمات في سن السبعين عام 1318م.


كلفه محمود غازان خان بكتابه تاريخه، فكتب في تاريخ المغول كتاب (جامع التواريخ) باللغة الفارسية، والذي يعتبر مصدراً هاماً في علم التاريخ ووثيقة مهمة عن دولة الإلخانات، حيث فصل في كتابه هذا تاريخ المغول من أيام چنكيز خان، وحروبهم أيام هولاكو ومحمود غازان. وقد تمتع رشيد الدين بعقلية جبارة جعلته متعدد نواحي النبوغ، كما كانت مبادؤه سامية وأخلاقه قويمة. كتب عنه الإمام الذهبي في سير اعلام النبلاء انه قام بالعديد من الإصلاحات التي تمَّت في عهد غازان خان في شتى نواحى الدينية والاجتماعية والعمرانية والثقافية، حيث كان رشيد الدين هو الموحي بها والعامل الأول في إخراجها إلى حيِّز التنفيذ، وكان شهمًا نبيلًا مع خصومه؛ فعندما سنحت له الفرصة للخلاص من عدوه علي شاه وجاء عمَّال الديوان لذلك، قاوم رغبته فلم يتخلَّص منه، كما كان جوادًا كريمًا، جمع ثرواته وأنفقها في سبيل الخير، وإقامة المؤسسات، والعمل على نشر العلم، وتشجيع العلماء، وتشييد المساجد والمدارس لإقامة الشعائر وتدريس علوم الدين. 

 


وتعمق رشيد الدين في دراسة العلوم والأدب؛ فهو إلى جانب الطب الذي أسلم له نفسه في شبابه، كان مطلعًا على مختلف العلوم التي تتصل به، وكان يُحيط إحاطةً كاملة بشؤون الزراعة وعلم الحياة والهندسة المعمارية والميتافيزيقا (الروحانيات وما وراء الطبيعة) إلى جانب التفقه في مسائل الدين الإسلامى، فكان يستغل ساعات فراغه القليلة يعكف فيها على الدرس والبحث وكان على دراية بالفنون. واهتم بمؤلفاته المؤرخون والمستشرقون والدارسون في كل العالم، وترجم كتابه للغات كتيرة، باعتباره مصدر أساسي لتاريخ المغول وجغرافيا المنطقة التي توسعوا وانتشروا فيها. واعتبره المؤرخ موريس روسابي أهم شخصية في بلاد فارس خلال حكم المغول.

 

 


وعلى الرغم من أنَّ رشيد الدين الهمذاني كان مؤرِّخاً رسميا للبلاط الإيلخاني؛ ألا أنَّه التزام الحياد النَّزيه بقدر المُستطاع، فهو معجب بالمغول، يشيد بأعمالهم، ولكن من دون مبالغة، ولم يمنعه قرب اتصاله بهم من أن يقول فيهم كلمة الحق، فكان يتناول ايضا روايات تحكي عن قسوتهم وإسرافهم بالقتل، ولو كان من باب القوة. كذلك أرَّخ الهمذاني أيضا بشكل حيادي للأمم الأخرى من أعداء المغول، ولم يبالغ في الإشادة بالمسلمين كما فعل مؤرخي العرب المشارقة (العراق والشام)، وكان دائما يقول: 

“على المؤرِّخ أن يكتب تاريخ كل قومٍ كما يبدو في زعمهم، وليس عليه أن يزيد فيه أو ينقص منه، فإذا كان حقاً أو كان باطلاً، فلينقل كما هو في اعتقاد كل طائفة، وذلك يلقي عبء مسؤولية الزيادة والنقصان، والحق والباطل في ذلك التاريخ على أصحابه لا على المؤرِّخ..”.


ولم يكن الهمذاني، كمؤرخي عصره، يعرف النقد التاريخي الحديث، حيث يقول المستشرق الروسي بارتولد في هذا السياق: 

”حاول رشيد الدين تسجيل الروايات التاريخية كما سمعها من رواتها بدون تغيير، ولهذا فإن كتابه (جامع التواريخ) من هذه الوجهة ليس تاريخاً علمياً بالمعنى المفهوم اليوم، إلا أنه يشغَل في آداب العالم مكانة ممتازة، من حيث اتساع دائرته، ولم نرَ اجتماع علماء جميع الأمم المتحضرة في العالم القديم وجمعهم للروايات التاريخية المتصلة بالتاريخ العام في كتاب واحد لا قبل ذلك الزَّمان ولا بعده”.



اطلع الهمذاني كذلك على الوثائق الرسمية المكتوبة بحكم عمله في البلاط، وقد استقى منها كثيراً في تعزيز مضمون مؤلفاته التاريخية. كما كان وصفه للمواضع الجغرافية الواسعة والواقعة في آسيا بشكل دقيق وصادق، وقد تناول أيضاً طبيعة مناخها وحاصلاتها الزراعية، وعاداتها وتقاليدها وأديانها. قال عنه الإمام الذهبي: 

“كان له رأي ودهاء ومروءة”. 

وقال عنه المستشرق الروسي باترولد: 

.. وكان رشيد الدين على ثقةً من أن الأجيال القادمة ستفيد كثيراً من مصنَّفاته”.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)