منذ اكتشاف الأمريكيتين بدايات القرن السادس عشر الميلادي، نقل الأسبان أشجار التبغ معهم إلى أوروبا، وبدأت زراعته بنجاح في عديد من مناطق البلقان وغرب اوروبا، والتي كانت في ذلك الوقت تحت حكم الدولة العثمانية، وبذلك راجت تجارة الدخان وانتشر تدخينه بين كثير من الأتراك، ومعهم انتقلت تلك العادة السيئة للولايات التابعة لهم ومنها مصر.
وقد عرف المصريون منذ عهد المماليك والأيوبيين تدخين القنب والحشيش، ولكنها لم تكن عادة منتشرة لأثره السيء غير المقبول على المتعاطين، ولكن حين انتشر الدخان اقبل البعض عليه وعلى اقتناء أدوات التدخين على اختلافها، الشوبك والجوزة والغليون وغيرها، وتفنن الصناع في ابتكارها وتزيينها وكذلك صناعة اكياس الدخان بشكل مميز. وقد شكلت تجارة الدخان مصدر دخل كبير للدولة لفداحة الضرائب التي فرضتها على زراعة المنتج، وايضا لكثير من التجار كونه بضاعة رائجة ومطلوبة، وكان منهم محمد علي باشا قبل ان يأتي إلى مصر. فلما تولى الحكم عام 1805م اهتم بزراعة التبغ والاهتمام به وتصديره إلى شرق اوروبا ليزيد من دخل الدولة. حيث تروي الباحثة رحاب الدماطي في دراسة رائعة شاملة لها عن التدخين في مصر، ان محمد علي باشا اواسط القرن التاسع عشر الميلادي قد نافس أكبر الدول الأوروبية فى صناعة السجائر، وجعل لمصر الريادة والصدارة فى تلك الصناعة، واستخدمت بعض الدول الأوروبية العلامات التجارية للسجائر المصرية لعمل رواج تجارى للسجائر الخاصة بها. ولم يكتفي محمد علي باشا بزراعة التبغ فقط، بل زرع القنب والخشخاش ايضا والافيون الذي استخدمهم لاغراض طبيه، وايضا لتصنيع حبال المراكب بدلا من الكتان للاسطول البحري المصري.
وكان لمواد التدخين وتصديره دورًا كبيرًا فى عوائد الدخولية للخزينة المصرية، كما تقول دراسة رحاب الدماطي، حيث رصدت بالوثائق عديد من اشكال أدوات التدخين المختلفة واسعارها، بل وتغني كثير من الشعراء فيها والفنانين الذين ابدعوا في رسم النقوش النباتية والحيوانية على تلك الادوات، لتجميل تلك العادة السيئة التي تفشت في المجتمع المصري آنذاك. أيضا ذكرت الدراسة أسعار بعض هذه الأدوات ووصف بعضها من والزخارف التى تزينت بها هذه الأدوات.
ورغم اعتراض رجال الدين والمشايخ على تلك العادة غير المحمودة، بل واستنكار الكثير منها نظرا لنفور الكثير من الدخان ونكهته رائحته النفاذة، ايضا لتأثيرة السئ على الصحة. ايضا انتشرت المقاهى في أغلب الشوارع، كما شاع التدخين في القصور والمنازل فى تلك الفترة كما تصور لنا عديد من رسومات الفنانين والمستشرقين و التى عبرت عن الحياة الاجتماعية للمجتمع المصرى فى تلك الحقبة الزمنية، ومدى تأثير التدخين على حياتهم، حيث لم يكن التدخين مقتصرًا على الرجال فحسب فكانت النساء تدخن السجائر والنراجيل والشبك والحشيش أيضا باعتبار أن التدخين وسيلة من وسائل الترفيه والتسلية فى حياتهم اليومية. ولعل من أشهر الحوادث ما يروى عن عباس باشا الأول والي مصر والذي عرف بالترامه دينيا، أنه أمر بحياكه فم أحدى نساء بيته لأنها خالفت قراره ولم تمتنع عن التدخين داخل جناحها بالقصر! وأيا كان هذا العقاب قد تم تنفيذه أم لا ولكنه يدل على شيوع التدخين بين النساء في اسرة محمد علي باشا، كما يدل ايضا على شدة عباس باشا الأول كما يروون عنه، حتى مع أهل بيته.
