قضى عرابي ورفاقه سنينا طوال في المنفى، ليدفعوا ثمن وقوفهم قبالة الخديوي، الذي قرر تجريدهم من رتبهم العسكرية ونياشينهم واملاكهم. ضمت قائمة المنفيين غير عرابي كلا من علي فهمي، وعبد العال حلمي، ومحمود سامي البارودي، ويعقوب سامي، ومحمود فهمي، وطلبة عصمت. وسُمح لهم باصطحاب 48 شخصًا من أسرهم وخدمهم، حسبما ذكر عرابي في مذكراته. خصصت لكل منهم مبلغ 30 جنيهًا شهريًا لم يكن يكفي احتياجاتهم وهو ما أدى إلى مرورهم بظروف مالية بالغة الصعوبة. فمثلا علي فهمي لم يكن يستطيع دفع ثمن علاج وأدوية زوجته، وحتى بناته وزوجته امتنعوا عن الخروج من المنزل لعدم وجود ما يرتدينه من ملابس صالحة!
الى جانب تلك الحالة النفسية الصعبة التي عانى منها المنفيون بسبب طول البقاء في المنفى، إذ كانوا يقدرون أن سنوات البعد عن الوطن ستكون معدودة، فلما طال بقائهم في سيلان واجتمع الفقر والمرض عليهم أصيبوا باليأس والإحباط. كما عانوا من تدهور أحوالهم الصحية، وبالأخص طلبة عصمت الذي أصيب بالربو من قبل نفيه، وزادت رطوبة الجو في سريلانكا (المنفى) من مرضه، ولم تستجب الحكومة لإلتماساته بتغيير منفاه إلى بيروت أو قبرص. ومن بعده أصيب عبد العال حلمي في عام 1891 بحساسية في صدره زادت بعد رفض تغيير منفاه أيضا من سيلان فحدث له نزيف بالمخ أدى إلى وفاته. كما عانى الزعيم عرابي من الروماتيزم الذي زاد ايضا مع الرطوبة المنفى في سيلان.
![]() |
| الزعيم أحمد عرابي في سيلان |
وكما كانت للمنفيين أوقات سيئة كانت لهم أوقات طيبة أيضًا، خاصة في الفترة التي تلت وصولهم إلى الجزيرة، إذ استقبلهم الاهالي استقبال الأبطال، وتجمع الكل ليرى أولئك الوطنيين من اهل مصر الذين وقفوا في مواجهة قوات الاحتلال البريطاني دفاعا عن بلادهم، فكان في استقبالهم أعيان المسلمين من سيلان وجاوة والهند والملايو، بل وحضرت بعض الطوائف البوذية ذلك الاستقبال الحاشد. وشارك عرابي وعدد من رفاقه بعد ذلك في بعض الأنشطة الثقافية خلال تواجدهم في سيلان، إذ أسهم الزعيم في التعبئة لإنشاء دور العلم والمساجد الإسلامية، وقام البارودي بتدريس اللغة العربية وعلوم الدين، وكتب قصائده الشعرية الشهيرة (في سرنديب) وتفرغ محمود فهمي لكتابة سفر ضخم بعنوان «البحر الزاخر في تاريخ العالم وأخبار الأوائل والأواخر». ولكن ورغم هذا فإن الرسائل والالتماسات والطلبات كانت جزءًا أساسيًا من حياة المنفيين.
ودبت الخلافات بين رفاق الثورة في المنفى، وذلك بفعل الحكومة المصرية التي اتبعت معهم سياسة شيطانية، فخصت عرابي براتب أكبر من غيره رغم أنه كان يعول أقل من بعضهم. كما لم يمنح محمود سامي وعلي فهمي ويعقوب سامي رواتب مساوية لغيرهم بدعوى أنهم ميسورو الحال، رغم أن بعضهم كان مدينًا بديون كبيرة في مصر. وهو ما ولد مرارة وضغينة بينهم، ولم تستمر حالة الوئام التي كان عليها الجميع في بداية سنين المنفى كثيرًا، وساد الإحباط واليأس والعوز. واتسع نطاق المشاحنات حتى وصلت إلى الصحافة في سيلان، ووصلت أخبار الخلاف إلى مسامع عبد الله النديم في مصر، فأرسل إلى عرابي قائلًا «ائتلفوا قبل الإياب، واقتلوا الضغائن بالعقاب، وحققوا لمن عندكم ترك العدوان حتى تتركوا لكم ذكرًا جميلًا في سيلان». ولم يفوت المنفيون فرصة للقاء مسؤول أو شخصية أو حتى صحفي إنجليزي دون أن يلتقوه ليتحدثوا عن أحوالهم ويطالبوه برفع شكواهم إلى حكومة جلالة الملكة. وكثيرًا ما اضطروا خلال تلك اللقاءات إلى الثناء على الحكومة البريطانية ورأفتها ورحمتها. حيث قال عرابي في حديثه لأحد الصحفيين البريطانيين، خلال زيارته لسيلان عام 1893، إنه في «حالة سماح الحكومة البريطانية بعودته سيذهب كصديق لبريطانيا لا كعدو، وأنه يوافق على وضعه تحت رقابة البوليس أو الحراسة العسكرية. طالبًا العفو والرحمة». ووصل الأمر ببعض رفاق عرابي إلى إرسال خطاب إلى «ولسلي»، قائد قوات الاحتلال التي غزت مصر، يناشدونه ويرجونه الوساطة في قضيتهم. وهكذا ومع كل عام يزيد عرابي ورفاقه انسحاقًا وخضوعًا، وتتدنى طرقهم في استجداء العطف والرحمة من أجل العودة إلى مصر، حتى أنهم دفعوا زوجاتهم وبناتهم إلى إرسال التماسات وتظلمات إلى ملكة بريطانيا، وإرسال عريضة (مذكرة) إلى الخديوي – الذين كانوا يكنون له كل كراهية – لاستدرار عطفه!
![]() |
| عرابي في المنفى |
وبعد وفاة الخديوي توفيق وتولى ابنه عباس حلمي الثاني اراد التقرب من الشعب، وعفا عن المنفيين، فعاد 4 من المنفيين إلى مصر تاركين خلفهم في سيلان جثث عبد العال حلمي، الذي توفي في العام 1891 بحساسية الصدر، ومحمود فهمي الذي توفي عام 1894 بالسكتة القلبية، ويعقوب سامي الذي توفي عام 1899 بعد إصابته بشلل في نصفه الأعلى، والإهمال في الكشف الطبي عليه. وعاد طلبة عصمت أول من عاد إلى مصر من المنفيين، في فبراير عام 1899، بعد أن عفا عنه الخديوي عباس حلمي، بسبب تدهور حالته الصحية. ولم تمض سوى شهور قليلة بعد عودته حتى توفي وتوارى في تراب مصر. وفي منتصف عام 1899، ساءت الحالة الصحية لمحمود سامي البارودي كثيرًا، وأوشك على فقدان بصره، مما أدى إلى إصابته باكتئاب نفسي نتيجة مرضه ووحدته في منفاه. وبذلت الحكومة البريطانية عدة مساع من أجل الحصول على تصريح من الخديوي توفيق قبل وفاته بعودة البارودي، وهو ما حدث في يوليو 1889. وبعد عودته بـ10 أشهر أصدر توفيق أمرًا بمنحه الحقوق المدنية ورُدت إليه أملاكه الموقوفة، فكان الوحيد من بين المنفيين في سيلان الذي نال الرضا الخديوي.
واخيرا بقي عرابي وعلي فهمي في سيلان وحيدين، فطرقا كل الأبواب من أجل السماح لهما بالعودة، وتشاء الأقدار أن يكون مفتاح باب العودة في يد الدوق كورنول ويورك ولي عهد بريطانيا، الذي التقاه عرابي عندما كان يزور سيلان، وترجاه ذلك الأخير أن يتوسط له من أجل العودة إلى مصر، فأعطاه الدوق وعدًا بأنه سيطلق سراحه حين عودته لبريطانيا. وهو ما حدث بالفعل، إذ طلب الدوق من الحكومة البريطانية السماح بعودة عرابي وفهمي إلى مصر، فسعى اللورد كرومر المعتمد البريطاني لتحقيق رغبة الأمير، ونجح في انتزاع تصريح من الخديوي بعودة المنفيين في مايو 1901.



