واحد من أهم وأشهر أفراد الاسرة العلوية الذين عاشوا في مصر في القرن العشرين، سمو الأمير عمر طوسون والذي كان أحد أهم رواد الإصلاح والنهضة في مصر أوائل القرن العشرين، ومن الشخصيات المعدودة ذوي التأثير القوي في مجالات عديدة منها الخيري والبحث العلمي. له العديد من الإسهامات في التاريخ لفترات نادرا ما تطرق لها عديد من الباحثين او المؤرخين، فاستطاع أن يؤرِّخ لكثير من الأحداث التاريخية، وأيضا يقدم العديد من الدراسات التاريخية والأثرية المصرية التي عُدت بمثابة أعمال رائدة في هذا الشأن. والاستكشافات الجغرافية والاثرية، أيضا ساهم في اكتشاف العديد من الآثار المصرية، والرحلات الاستكشافيه الجغرافية، وإلى جانب ذلك له باع كبير في العمل الخيري والتطوعي الذي ساعد في النهوض بالوطن سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي.
| سمو الأمير عمر طوسون |
وُلد الأمير في الإسكندرية عام 1872م، وبها عاش وكان أحد أبنائها حتى وفاته، أبوه هو الأمير طوسون بن الوالي محمد سعيد باشا بن محمد علي باشا، وأمه هي الأميرة بهشت حور (وليست الاميرة فاطمة اسماعيل كما يشاع)، وقد توفي والده وهو بعد في الرابعة، فتربى لدى جدته لأبيه الأميرة ملك بِرّ هانم احدى زوجات سعيد باشا، حيث أتم دروسه الأولى في القصر، ثم انتقل إلى سويسرا ليكمل تعليمه، كما سافر خلال فترة دراسته إلى العديد من البلدان الأوروبية كفرنسا وإنجلترا، فأجاد العديد من اللغات وتفتح ذهنه على مزيد من آفاق العلم والمعرفة.
وبعد عودته تشكلت شخصية الأمير عمر طوسون فكان وطنيا محبا لمصر لأقصى درجة، فاعتنى بتاريخها القديم والحديث والقراءة فيه منذ عهد جده الأعلى محمد علي وعهد إسماعيل وحتى العهود الأقدم، كما تمتع بعلاقات جيدة مع أهالي مصر سواء العامة منهم أو رؤساء الأسر والعشائر منهم، فكان الأمير من أكثر من ساهموا في أعمال خيرية في مصر الحديثة، حيث إلتحق كعضو عامل في عشرات الجمعيات، منها الجمعية الخيرية الإسلامية، والجمعية الخيرية القبطية (عنصري الأمة)، حيث تبرع لهما بمبلغ ستة آلاف جنيه إضافة إلى سعيه لجمع التبرعات لهما، فكان ينظر للعمل الخيري بشكل لا يُفَرِّق بين المصريين على أساس ديني. كما عمل على الاهتمام بالنواحي الصحية والوقاية من الأمراض، ونشر ثقافة ممارسة الرياضة، وتطبيق النظافة في الميادين العامة.
كما شملت نشاطاته في المجال العام الجانبين السياسي والاقتصادي والأثري، حيث قدم الدعم المادي والمعنوي للمقاومة الليبية في مواجهة الغزو الإيطالي وقت الحرب العالمية الأولى، ودعم الجيوش العثمانية التي تتعرض للغزو في البلقان، كما قام بعدد من السفريات للعواصم الاوروبية لفضح انتهاكات الاستعمار الهولندي في أندونيسيا. كما عمل على توظيف الوعظ والإرشاد في الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة بما يزيد من انتشارها، إلى جانب زيادة التماسك الديني. أما عن الجانب الاقتصادي، فقد تولى رئاسة الجمعية الزراعية الملكية التي كانت تعتني بشئون الزراعة في مصر فنهض بها، وساعد في تطوير الإنتاج الزراعي. وفي المجال الأثري والاستكشافات والرحلات كانت لطوسون الريادة، حيث استطاع أن يكتشف 52 ديرًا أثريًّا في قلب الصحراء، وأن يعثر على رأس تمثال الإسكندر الأكبر بخليج العقبة، وينتشلها من الماء بمساعدة الصيادين والغواصين، كما اكتشف بقايا مدينة هرقليون المغمورة بالماء على عمق خمسة أمتار قبالة سواحل أبي قير سنة 1933م.
| بعض من كتب الأمير عمر طوسون |
إلى جانب تقديمه للعديد من الدراسات الرائدة في مجالي التاريخ والآثار، وفي مجال التاريخ كتب الأمير عديد من الدراسات التي صارت مراجعا لعديد من الباحثين في الوقت الحالي، فأرخ لفتوحات الخديوي اسماعيل في اعالي النيل والقرن الافريقي، وايضا لبطولات الاورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك، وايضا معارك الجيش المصري في القرم، وتاريخ الحكم المصري في السودان، وكان من اشد معارضي الانفصال، كما أرخ لتأسيس الجيش المصري على عهد محمد علي باشا، وكذلك بطولاته ومعاركه وتقسيمه الاداري وتسليحه واورطه وفيالقه وقشلاقاته بشكل وثائقي دقيق. واعتمد على عديد من المراجع التاريخيه والمستندات الأصلية من وزارة الحربية وشهادات بعض المعاصرين، فكان تأريخه من أدق ما يكون.في الوقت الحالي قامت مؤسسة هنداوي باعادة تنسيق وطباعة كتب الأمير عمر طوسون ووفرتها للقارئ العربي نسخة مجانية بصيغة pdf للتحميل والمطالعة على التليفون أو اللوح الرقمي (التابليت).
| سمو الأمير عمر طوسون (صورة خاصة من موقع الملك فاروق) |
وقد توفي الأمير عمر طوسون عام 1944م عن عُمْرٍ يناهز الثانية والسبعين عامًا. وكانت وصيته ألا تُقام له جنازة، وقد نفذ له الملك فاروق وصيته، مقتصرا على تشييع الجثمان الذي شارك فيه الوزراء والأمراء وكبار رجال الدولة.
