من اشهر ولاة العثمانيين نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، احمد باشا الجزار او احمد باشا بوشناق. من مواليد بلاد البوشناق (البوسنة والهرسك) عام 1735م، ومنها سافر للأستانه في بداية شبابه، حيث تعرف على أحد القادة الإنكشاريين وانخرط في خدمته وسافر معه لمصر ليعمل في الحامية الانكشارية لاقليم البحيرة، وهناك تزوج من امرأه حبشيه ورزق منها بولد وابنتين. وفي هجوم غادر قتل بعض البدو من عرب البحيرة سيده، فأعد لهم كمينا بمعاونة بعض الجند ونجح في قتل سبعين بدويا كان من بينهم شيوخا وعواقل، لم يترك بينهم حيا واحدا او ناجيا خلفه. ومن هنا جاء لقبه (الجزار)!
| أحمد باشا الجزار (رسم تخيلي) |
ورغم أن البدو انتقموا منه بعد ذلك بقتل زوجته وإبنته، ولكنهم لم يتمكنوا منه شخصيا، فاستطاع الهرب الى القاهرة، حيث عرض خدماته على علي بك الكبير كبير المماليك وحاكم مصر آنذاك. بأن قدم له رؤوس أربعة من أعدائه من شيوخ العربان، فاعجبه ذلك وضم الجزار لرجاله ومنحه لقب "بك"، واستخدمه بعد ذلك في مهام التخلص من معارضيه ومنافسيه (المهام السرية والحساسة). ولكن بعد انقلاب محمد بك أبو الذهب، وجد الجزار أن مصر لم تعد مكانا صالحا للإقامة، إذ أحاط بأبي الذهب كثير من المماليك الخونة والإنتهازيين، فذهب إلى جبل لبنان عارضا خدماته على الأمير يوسف الشهابي زعيم الدروز وحاكم ساحل لبنان حمص وحلب، فولاه على بيروت. ولكنه سرعان ما انقلب عليه بعد أن تواصل مع الأمير ظاهر بك العُمر حاكم منطقة الجليل بفلسطين. وجمع الجزار أموالاً عديدة من الشهابي وهرب بها للآستانة حيث ألقاها تحت أقدام السلطان العثماني سليم الثالث، والذي اعجبه ذلك وفوضه على ولاية صيدا ومنحه لقب «باشا».
وهناك جمع أحمد باشا جيشا من المرتزقة، كان من مختلف الاجناس، من الأكراد والمغاربة من تونس والجزائر والألبان والبوشناق، وسعى لتحقيق حلمه بحكم فلسطين وجنوب سورية ولبنان، بل طمع في حكم مصر أيضا، ولكن السلطان سليم كان يراقب توسعاته ونفوذه وطموحاته فحاول أكثر من مرة تنحيته أو نقله إلى ولاية بعيدة مثل البوسنة، ولكن الجزار كان يرفض! فأغراه بالتوجه إلى مصر عام 1784 لمحاربة المماليك مراد بك وإبراهيم بك، وكتابة تقرير عن أوضاع البلاد، لكنه أيضا قرأ ما بين السطور وتجنب ذلك الفخ.
ومع الأيام نجح أحمد باشا الجزار في أن يحصل على حكما ذاتيا بأجزاء من بلاد الشام، ولكن دون إعلان الاستقلال عن الدولة العثمانية، كما أعد للسلطان تقريرا عن كيفية غزو مصر، وكيفية ضبط إيراداتها ومصروفاتها، ونصحه بأن يكون قائد الحملة قد سبق له الإقامة في مصر، ويعلم دروبها ومسالكها، «حرص الجزار على تقديم مواصفات لا تنطبق إلا على شخصه»، إلا أن حملة نابليون عام 1798م أرجأت مشروعه لغزو مصر لأجل غير مسمى. كما أكسبه صموده أمام جيوش نابليون شهرة بعد فشل الأخير في حصار عكا عام 1799م. بعد ذلك سيطر الجزار على معظم بلاد الشام ولبنان وفلسطين بلا منازع أو منافس حيث اخضع العصبيات المحلية وأيضا أمراء الدروز. فأراد السلطان أن يتخلص منه بتعيينه واليا على مصر عام 1804م، ولكن الموت كان اقرب، فتوفي الجزار في 23 أبريل 1804م تاركا مصر والشام ليسيطر عليها محمد علي واولاده من بعده..

