براءة القائد عمرو بن العاص من تهمة حرق مكتبة الاسكندرية القديمة

طارق الشافعي
كتب
0

من التهم التي أُلصقت بالفتح الإسلامي لمصر هو القول بتدمير مكتبة الإسكندرية، وتوزيع محتوياتها على الحمامات، والحقيقة ان هذا الزعم لم يظهر إلا بعد زمن الفتح بحوالي ستة قرون، ولم يذكره المؤرخون المعاصرون أو القريبين من زمن الفتح فلو طالعنا كتاب (فتوح مصر واخبارها) لابن عبد الحكم و(فتوح البلدان) للبلاذري لا نجد فيها ذكرٌ لهذا. 


مكتبة الاسكندرية القديمة (مشهد تخيلي)

وكان أول من وجَّه هذا الإتهام لعمرو بن العاص، هو المؤرخ والرحالة عبد اللطيف البغدادي، والذي مر بمصر عام 1198م ضمن رحلته، حين تكلَّم عن حرق المكتبة بشكل عرضي في كتابه “الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر”، زاعما أن القائد عمرو بن العاص أحرق “خزانة الكتب” بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعنه نقل ابن العبري والمقريزي وبالتالي شاعت الرواية في بعض كتب المؤرخين المسلمين.


ولكن لو طالعنا كُتب بعض المستشرقين الأوروبيين ممن كتبوا عن مصر خلال القرن التاسع عشر الميلادي، مثل ألفريد بتلر في كتابه (فتح العرب لمصر)، نجد أنه ينفي هذه الرواية تماما ويؤكد خطأها، لأن حريق المكتبة كان خلال أحداث عام سنة 48 قبل الميلاد، اثناء فترة حكم الملكة البطلمية كليوباترا السابعة، أخر ملوك الإغريق في مصر. حين وقع القائد الروماني الشهير يوليوس قيصر في مشكلة مع السكندريين الذين ثاروا عليه وحاصروه في جزيرة فاروس، كما يروي المؤرخ الروماني بلوتارخوس (والذي كتب سيرة قيصر بالتفصيل)، وعلى إثرها أمر قيصر - ليُشغل السكندريين عنه - بإضرام النيران في السفن الكائنة على ساحل الإسكندرية أمام الحي الملكي، فتطايرت ألسنة النيران من ال 14 سفينة التى اندلعت فيها النيران، إلى مكتبة الإسكندرية المكتبة الأم والتى كانت تقع على امتداد البحر بجوار تلك السفن ، وكانت في مكان ما ليس بعيدا عن مكانها الحالي، وإن كان أقرب إلى ميدان محطة الرمل الحالي.

حريق المكتبة نهاية العصر البطلمي (مشهد تخيلي)

أيضا يروي الكاتب والمؤرخ ستانلي لين پول نفس الرواية في كتابه (تاريخ مصر - سيرة القاهرة) مؤكدا أن قصة تدمير مكتبة الإسكندرية وتوزيع الكتب على الحمامات، لم يتم العثور عليها في أي من كتب المؤرخين المعاصرين كالقس يوحنا النقيوسي مثلا والذي كتب عن الفتح في يومياته، فضلا عن أنها ليست مذكورة من قِبَل أي كاتب بيزنطي أو يوناني. لأنه ببساطة المكتبة لم يكن لها وجود أصلا في زمن الفتح! وإذا فرضنا جدلا (والكلام لايزال لپول) أن هذه المكتبة كانت موجودة عندما عقد المقوقس الهدنة والصلح مع المسلمين عام 642م، لقام البيزنطيون بنقل محتوياتها إلى القسطنطينية، ولم يكونوا ليتركوها تقع في يد المسلمين. فقد نص عقد الصلح على هدنة مدتها أحد عشر شهرا، يُباح للروم فيها أن ينقلوا إلى بلادهم ما شاءوا من المتاع والأموال، ونظرا لقيمة تلك المكتبة ومحتوياتها، فمن المُستبعد أن يتركوا هذه النفائس ويرحلوا، وقد كان لديهم الوقت مايكفي لنقلها! إن لم يكن لقيمتها العلمية فلقيمتها المادية الكبيرة. 


وهكذا فإن تلك التُّهمة قد ظهرت براءة بن العاص منها على يدِ المستشرقين، وهو أمر نادر الحدوث في البحث التاريخي على مر العصور. 

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)