في أواخر القرن السابع عشر الميلادي كانت سلطة الدولة العثمانية قد بلغت من الضعف درجة عالية في إيالة (ولاية) مصر حتى اصبحت سلطة الباب العالي القابع في الأستانة عليها سلطة اسمية فقط، متمثلة في والي (باشا) يجلس في قلعة الجبل لا يتجول في طرقات البلاد ولا يعرف عنها شيئا ولا يجتمع مع اهلها إلا بكوات المماليك فقط، وهم شيخ البلد (كبير المماليك) ووالي الشرطة وقادة الجند!..
ولو لم يستحوذ ذلك الوالي (الباشا) على ثقة شيخ البلد أو كبير المصرلية او أمراء المماليك، فكان يرسل له ذلك الأخير رسالة يحملها رسول إسمه (أوطه باش) معروف عند العامة باسم (أبو طبق)، قيل لأنه كان يرتدي قبعة على شكل الطبق، او لعله تحريف لإسمه أوطه باش، فيصعد إلى القلعة في موكب من العامة (المصريين) والناس (المماليك) وهو يركب على حمار ويرتدي السواد (نذير شؤم) بمجرد وصوله قاعة الوالي يترجل ويدخل على الباشا وهو حامل الرسالة، ويحييه بكل احترام ثم يرفع طرف السجادة من تحت قدميه ويقول له: «إنزل يا باشا!..»، فتكون هذه الكلمة بمثابة امر العزل! فيستجيب الباشا في الحال ويتنازل عن الولاية، فتزول سلطاته ويجمع متعلقاته ويرحل في هدوء للأستانة طالبا تعيين والي جديد. ولا يستطيع الباشا معارضة أمر العزل، لأنه إن لم يقبل وتمسك بمنصبه، حاصره المماليك في القلعة وطردوه منها ذليلا دون أن يجمع حياجاته، ويرحل للأستانة ماشيا على قدميه، أو قد يتنهى الأمر بمقتله. وقد ظل الأمر كذلك حتى مجئ الحملة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حيث بدأ بعدها عهد جديد بعيدا عن أوطه باش أو امراء المصرلية.
عن: تاريخ الحركة القومية ج1 للرافعي، والتي نقلها بدوره عن مذكرات القنصل الفرنسي المعاصر لتلك الأحداث.
