كيف انتقلت «خلافة المسلمين» من العباسيين إلى سلاطين آل عثمان؟

طارق الشافعي
كتب
0

تذكر عديد من المصادر التركية ان الخليفة العبَّاسي المُتوكِّل على الله تنازل عن الخِلافة لِلسُلطان سليم بُعيد انتقاله معه للآستانة . وأنَّ هذا التنازل جرى بِمراسم في جامع آيا صوفيا، في حين تقول رواية أُخرى أنَّ انه كان في جامع أبي أيُّوب الأنصاري، حيث سلَّمهُ مُخلَّفات الرسول: البُردة الشريفة، وبعضٌ من شعر لحية النبيّ، والسيف ذو الوشاح (سيف الخليفة عُمر بن الخطَّاب). وقد اشترك في هذه المراسم بعض عُلماء الأزهر الذين نقلوا للآستانة ، إلى جانب العُلماء العُثمانيين وقاضي قُضاة الشافعيَّة في مصر وابنا عُمومة المُتوكِّل أبا بكر وأحمد وعائلته. 

 

سيوف من للمتعلقات النبوية الشريفة من متحف طوب قبو سراي بإسطنبول.
في حين يُشكك بعض الباحثين المُعاصرين بِتنازل الخليفة العبَّاسي لِلسُلطان سليم أصلا، وحُجَّتهم أنَّ بعض المُؤرخين الذين عاصروا حملة السُلطان على مصر وعودته للآستانة بِرفقة المُتوكِّل، لم يُشيروا ولو إشارة عابرة إلى تبدُّل أمر من أُمُور الخِلافة، فابن إياس مثلا (المؤرخ المصري) لم يتطرَّق لهذا، واستمرَّ يُلقِّب سليم بالسُلطان، والمُتوكِّل بِالخليفة. كما أنَّ أحمد فريدون بك، في كتابه «مُنشآت السلاطين» الذي وضع فيه يوميَّات الحملة إلى الشَّام ومصر وجميع أفعال السُلطان سليم مُنذُ مُغادرته عاصمته وحتَّى عودته إليها، لم يُشر بِأيِّ كلمةٍ عن قضيَّة الخلافة، بل إنَّهُ وصف المُتوكِّل بِأنه:
«الْخَلِيفَة المُتَوَكِّل عَلَى الله مَوْلَانَا مُحيي الدَّيْنِ مِنْ آلِ العَبَّاس الَّذِي هُوَ بقيَّة الْخِلَافَة العبَّاسيَّة فِي الْمَحْرُوسَة المصريَّة». 
كما لم يذكر أيضا سعد الدين أفندي في مُؤلَّفه الشهير «تاج التواريخ» شيئًا عن الخلافة، علمًا بأنَّ كتابه هذا هو أقرب ما كُتب من مُؤلَّفاتٍ تاريخيَّةٍ إلى عهد السُلطان سليم. 
 
 
كما أنَّ السُلطان سليم نفسه لم يذكر شيئًا عن انتقال الخلافة إليه في رسائله إلى الحُكَّام المُجاورين لدولته، وإنَّما أشار إلى نفسه باعتباره سُلطانًا فحسب، وبأنَّهُ قد صار خادمًا لِلحرمين الشريفين (مجرد لقب انتزعه من سلاطين المماليك). ولعله لم يعبأ بِلقب «خليفة» بعد أن أصبح لقبًا هينا نتيجة تحوُّل الخلافة إلى منصبٍ صوريّ مُنذُ قُرون عدة! لكنَّهُ لُقِّب به نتيجة انتقال الآثار النبويَّة ومفاتيح الحرمين الشريفين إليه، ومُمارسته لِجميع مهام الخِلافة على أرض الواقع، أصبح بِحُكم هذا خليفةً فعليًّا، وفي ذلك يقول مُحمَّد فريد بك: 
«... وَمِنْ ذَلِكَ التَّارِيخِ صَارَ كُلُّ سُلْطَانٍ عُثْمَانِيِّ أَمِيرًا لِلْمُؤْمِنِين وَخَلِيفَةً لِرَسُول رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْمًا، وَفِعْلًا».
وقد أجاز علماء الحنفية بالآستانة جواز انتقال الإمامة لرجل من خارج قريش، بل من خارج جنس العرب اصلا وقالوا إنه قد اجتمعت في السلطان سليم الحقوق الخمسة الواجب على كُلِّ خليفةٍ أن يتمتَّع بها:
 
1- حق السيف بعد ان تغلب السلطان سليم على كل منافسيه ولم يعد امامه من هو أهل للامامه غيره. 
2- حق الانتخاب ومصادقة اهل الحل والعقد وعموم المسلمين.
3- حق الوصاية، وقد ثبت لديهم وصاية الخليفة العباسي للسلطان سليم ونسله من بعده. 
4- حق حماية الحرمين الشريفين وخدمتهما وصيانتهما، وقد تحقَّق هذا لِلسُلطان سليم بعد أن مَلَكَ الحجاز وسلَّمه شريف مكَّة مفاتيح الحرمين. 
5- الاحتفاظ بِالأمانات المُقدَّسة: وقد انتقلت جميعها من القاهرة للآستانة على عهد السلطان سليم.
 

وعليه، فقد ظل اللقب يتوارثه سلاطين آل عثمان لثلاثة قرون تقريبا، حتى ان السلطان عبد المجيد الأول في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ارسل لقيصر الروس يذكره بأنه خليفة المسلمين والذي له السلطة الروحية على كل المسلمين الروس في بلاده، كما جاء السلطان عبد الحميد الثاني من بعده معتزا بلقب "الخلافة" عن لقب "السلطنة"، وكان يفضل بأن يناديه الاخرون بـ«مولانا الخليفة».

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)