«كان له يد مع الملائكة ضارعة، ويد مع الشياطين ضاربة.. » هكذا وصف الاديب مصطفى صادق الرافعي، الأمير أحمد بن طولون، في كتابه (من وحي القلم). ولعلنا نفهم سبب هذه المقوله إذا قرأنا قصته مع بنان الحمال.
هو أبو الحسن بنان بن محمد بن حمدان بن سعيد الحمال أحد علماء أهل السنة، ومن أعلام التصوف في القرن الرابع الهجري. الذي ألقاه ابن طواون إلى الأسد، كما يروي ابن قتيبة الدينوري: «ولما ذهب شيخك أبو الحسن بنان إلى ابن طولون يعظه، وينهاه عن أحد الأمور النكراء، طاش عقل الحاكم، فأمر من توه بإلقاء الشيخ إلى الأسد.»، ويقول أيضا أبو علي الروذباري: «كان سبب دخولي مصر حكاية بنان الحمال، وذلك أنه نصح ابن طولون بالمعروف، فأمر الوالي به أن يلقى إلى السبع، فجعل يشمه ولا يضره، ثم جلس بجانبه وكأنه يحميه، فأصيب بن طولون بالذهول والرهبة مما رأى، وأدرك أن هذا الرجل "ولي من أولياء الله". أمر بإخراج بنان فوراً من الحلبة، واعتذر إليه وأكرمه، بل وعرض عليه عطايا مالية، لكن بنان رفضها تعففاً.
تقول الرواية بأن بنان الحمال لما أخرج من بين يدي السبع قيل له: ما الذي كان في قلبك حيث شمك؟ قال: كنت أتفكر في نجاسة سؤر السباع ولعابها.» (طبقا لمذهب الشافعي) أي أنه كان مشغولا بمسألة فقهية بحتة، وليس بمصيره على يد وحش مفترس، أو أنه كان قاب قوسين أو أدنى من الموت.
وقد كانت تلك الواقعة من اللحظات القليلة التي انكسر فيها جبروت ابن طولون أمام قوة الإيمان. فصار الوالي الجبار يحسب ألف حساب للعلماء والزهاد، وزادت من ورعه وميله لاستماع النصيحة في أواخر عهده. وقد استخدم المؤرخون هذه القصة للتدليل على أن ابن طولون، رغم سفكه للدماء، كان يمتلك "بقية من دين" تجعله يتراجع إذا رأى آية واضحة من آيات الله. هذه الحادثة تلخص شخصية بن طولون حاكم ذو بطش هائل، في مواجهة مجتمع مليء بالزهاد والشجعان الذين لا يخشون في الله لومة لائم.
