في أعماق الزمن الملتوي، حيث تتشابك خيوط القدر مع ألاعيب السياسة، جرَّ الرئيس صدام حسين إلى هاوية الحرب مع إيران في سبتمبر 1980، كأنما دفعته رياح الغدر نحو مصير محتوم. ما زالت دوافع هذا الصراع الدامي تكتنفها غموض، إذ أغفل المؤرخون الغربيون تفاصيلها الدقيقة، مكتفين برؤية سطحية تبسيطية، غير دقيقة في أي لحظة من لحظات التاريخ. كان العراق حليفًا رسميًا للاتحاد السوفييتي طوال عهد حزب البعث، لا للولايات المتحدة، وتأرجحت العلاقات بينهما بين توترات عميقة وتعاونات عرضية. وجهت واشنطن اتهامات للعراق بدعم الإرهاب، لكن أبو نضال، أيقونة ذلك العصر الدامي، نقل من بغداد إلى دمشق عام 1983، بعد اندلاع الحرب، استجابة لطلب أمريكي لتهدئة العواصف.
في سبعينيات القرن العشرين، شهد العراق نهضة مشرقة كالفجر الذي ينبثق من أعماق الصحراء: تطور هائل في الرعاية الصحية، بنى تحتية قوية، ومستوى معيشة يرتقي بالإنسان. منحت الدولة حقوقًا كاملة لغير المسلمين، وانضمت إلى حركة عدم الانحياز التي شاركت الهند في ولادتها. نمت علاقة عمل مدهشة بين بغداد ونيودلهي خلال فترة صدام كنائب رئيس، يتذكرها الدبلوماسيون والمهنيون الهنود بإعجاب عميق. كانت العراق مختلفة عن جيرانها في الشرق الأوسط، تفتح أبواب التعليم والحريات للجميع دون تمييز بين الجنسين، مستمدة قوتها من سياسات اشتراكية تحيد الدين عن عرش الحكم. ومع ذلك، لم يمنح حزب البعث حرية سياسية حقيقية؛ كانت معاملته للسجناء السياسيين قاسية كسياط الجلاد، وسمح بمعارضة صورية، مجرد وهم يخفي الجوهر القمعي.
كان صدام حسين، نائب الرئيس آنذاك، يُرى في عيون قادة العالم كبطل إنساني، يحمل مشعل التقدم. في 1980، منح مفتاح مدينة ديترويت الرمزي بعد تبرعه لكنيسة الكلدان وسداد ديونها، كأنما يبني جسورًا من الخير عبر المحيطات. وفي 1982، نال جائزة من اليونسكو تقديرًا لجهوده في رفع مستوى المعيشة، محو الأمية، وإقامة نظام صحي وطني. هذه الحقائق، وإن بدت اليوم كأحلام بعيدة، حدثت في عالم مختلف، حيث كانت السياسة تتزين بأقنعة الإنسانية.
لكن المتاعب الحقيقية انفجرت مع الحرب العراقية الإيرانية، التي امتدت كليل أبدي، يبتلع الأرواح دون رحمة. رغبت الدول الغربية والسعودية في استمرارها لاحتواء الثورة الإسلامية الإيرانية، التي نشأت بدعم غربي أولي، بعد أن تحول الشاه إلى قومي يبني قوة إقليمية تهدد التوازن المصطنع. رُؤي غزو صدام لإيران كوسيلة لتدمير بنيتها، ولم يدعم الاتحاد السوفييتي طهران خوفًا من انتشار عدوى الثورة إلى جمهورياته الإسلامية، فصار العراق حليفًا مؤقتًا لأمريكا.
المشكلة الأعمق كانت في إيران التي قاتلت بلا اكتراث للخسائر، تقدم أنهارًا من الدماء، بينما لم يتحمل العراق الصغير هذا النزيف. نجحت استراتيجية طهران في الهجمات البشرية المتلاحقة؛ عسكريًا، ربما انتصر العراق، لكن سياسيًا، رسخت الثورة سلطتها بالنجاة وحدها. في العراق، انقلب الأمر: في أغسطس 1988، انتهت الحرب بخيبة للجيش، إذ عادت الحدود إلى اتفاق 1975 بين الشاه وصدام. مليون قتيل، ملايين جريح، تدمير اقتصادي شامل، ديون عراقية تصل إلى 226 مليار دولار، بينما ظلت إيران معزولة دون ديون قابلة للتحصيل. وفي 1987، انكشفت فضيحة "إيران كونترا": أمريكا تبيع أسلحة لإيران عبر إسرائيل، رغم اتهامات لمسؤولين كبار، ثم عفو عنهم. اعترف ريغان بأنها ليست صفقة رهائن مقابل أسلحة، بل محاولة لقنوات استراتيجية، لكنها فشلت وتحولت إلى اعتراف معاكس. كانت واشنطن تزود الطرفين، كلاعب يمسك بخيوط الدمى.
في 1988، طالبت الكويت والإمارات والسعودية بسداد الديون، متراكمة من الحرب، واعتقدت بغداد أن فائدتها انتهت. مع نهاية الحرب الباردة، لم يرغب الغرب في نظام بعثي اشتراكي في قلب الشرق الأوسط. رأت بغداد أن الضغط مصدره أمريكا، لا العرب. حددت أوبك سعر البرميل بـ18 دولارًا عام 1989، لكن خرق الكويت والإمارات بالخفض إلى 10 دولارات أثار غضب العراق المتضرر. استمر الجدل في الجامعة العربية، مذكرًا بوصاية بريطانيا على الكويت عام 1922 وحصارها البحري للعراق. طالب صدام باستئجار ميناء أم قصر، لكنه رفض.
لم ترغب السعودية في نظام علماني يمنح النساء وغير المسلمين حريات واسعة، تهدد أيديولوجيتها. وجد صدام نفسه في مأزق، مع احتمالات تمرد الجيش، وتدهور اجتماعي بسبب الديون. في 1989، هاجم عسكريون مسرحون العمال الأجانب، بوادر ثورة داخلية. لتجنبها، سعى لنصر سريع بغزو الكويت، طموح قديم يرى فيها جزءًا مقتطعًا من العراق عام 1922. اتهمت الكويت بالتنقيب الجانبي عن النفط والإفراط في الإنتاج. رفضت الكويت إعفاء الديون، مصرة على أن التنقيب في أراضيها.
في 25 يوليو 1990، سأل صدام السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي عن موقف بلادها من غزو محتمل، فتلقى ما اعتبره موافقة ضمنية: "ليس لنا رأي في هذا الشأن". حاول مؤرخون تبريرها كدعوة للتفاوض، لكن غلاسبي، خبيرة في الثقافة العربية، كانت تعلم أن المفاوضات استمرت عامًا، والقوات العراقية احتشدت على الحدود، مرئية في صور الأقمار. ذكر جيمس بيكر في المحضر، مشيرًا إلى مراجعة عليا. أفادت الـCIA بـ30 ألف جندي عراقي، وكان التدخل ممكنًا في يوليو، لكن في 2 أغسطس احتل العراق الكويت.
شنت الإعلام الغربي حملة تروج فظائع، كقتل أطفال حديثي الولادة. تبين لاحقًا اختلاقها: الشاهدة ليست ممرضة، بل ابنة السفير الكويتي. كرر بوش القصة، ودعمتها العفو الدولية قبل التراجع. حدثت تجاوزات ونهب، لكن ليس بالمستوى المروج لتبرير الحرب.
طالبت أمريكا وحلفاؤها بالانسحاب، وكان بإمكان صدام التقدم للسعودية لولا انهيار إمداده. رفض، فأصدر مجلس الأمن مهلة حتى يناير 1991. لم يمتثل، مدمرًا العراق. لم يكن قائد عاقل يواجه تحالفًا عالميًا، لكن صدام 1990 تحول إلى أسير الارتياب. تغير الموقف الأمريكي فجأة بعد لقاء غلاسبي. انتهت في 27 فبراير 1991 بـ"طريق الموت": قصف آلاف الجنود المنسحبين، تحولت قافلتهم إلى جحيم. أعاق الدخان من آبار النفط المشتعلة الرؤية، وفرح الغرب بالصور، رغم كونها مذبحة مروعة.
حول صدام أزمة اقتصادية إلى كارثة مطلقة: دمار الجيش والبنية، تحرير الكويت، استسلام في 28 فبراير. فرضت عقوبات قاسية، قتلت مئات الآلاف إلى ملايين مدنيين بالأمراض ونقص الدواء. لم يأخذ الغرب معاناتهم بعين الاعتبار؛ تحول "النفط مقابل الغذاء" إلى دعاية، غير كاف لـ22 مليونًا في دولة مدمرة. انهار الاقتصاد، عاد إلى المقايضة والندرة.
الغزو الأنغلو-أمريكي 2003 استند إلى ادعاءات أسلحة دمار شامل غير موجودة. فائدته الوحيدة رفع العقوبات، إطاحة بالبعث الذي فقد قدرته على التحسين منذ 1990. فقدت الدولة بنيتها، غرقت في حرب أهلية أودت بأرواح لا تحصى. عادت شركات النفط الغربية بعد تأميم 1972، لكن العراقيين رأوا تكرار المأساة: ضياع الثروات والسيادة، دماء ودمار. الحروب لا تحقق أهدافها، بل تفرغ البشر من إنسانيتهم، تغرقهم في الفوضى.
اليوم، يولد في العراق جيل جديد، لا يعرف عراق السبعينيات المتقدم، ولا جحيم الحروب. هو الجيل الأول الذي لن يفنى في المعارك أو المجاعة، ربما يعيد تعريف الماضي، يمنح المستقبل معنى مختلفًا، بعد أن ابتلعت الأجيال السابقة دوامة الحزن والفقد لعقود.
