لطالما شكلت سنوات الطفولة الأولى اللبنة الأساسية في بناء الشخصية العظيمة، فما بالك إذا كانت تلك الطفولة تحمل في طياتها بذور النبوة؟ لنتتبع معًا الخطوات الأولى لحياة النبي محمد ﷺ ، ذلك اليتيم الذي سيقود الأمة.
مولد النور في عام الفيل
في شِعب بني هاشم بمكة المكرمة، ولد محمد بن عبد ﷺ سنة 570م، في العام الذي شهد محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة بجيش تضمّن فيلة عظيمة. وقد حفظ الله بيته الحرام بأن أرسل عليهم طيرًا أبابيل، كما ورد في سورة الفيل.
كان أبوه عبد الله قد توفي في يثرب أثناء رحلة تجارية، تاركًا زوجته آمنة بنت وهب حاملًا بالنبي الكريم. وقد اختار جده عبد المطلب له اسم "محمد" قائلاً: "أردت أن يكون محمودًا في الأرض والسماء".
في ربوع البادية: التربية الأولى
حسب عادة أشراف قريش، أُرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى البادية ليرضع من مرضعات بني سعد، حيث:
- اكتسب فصاحة اللسان وقوة البنية.
- ظهرت عليه علامات النبوة المبكرة، حيث امتلأت ثديي مرضعته حليمة السعدية باللبن بعد جفاف.
- نما نموًا غير معتاد، حيث تقول الروايات انه بدأ يمشي في الشهر التاسع، ويتحدث في نهاية العام الأول.
وبعد فطامه، أصرت حليمة على إبقائه عندها لما رأت من بركته، فبقي أربع سنوات في البادية يتعلم شظف العيش ورعي الغنم.
![]() |
| ميلاد النبي ﷺ من كتاب جامع التواريخ لرشيد الدين الهمذاني |
في كنف الجد الحاني
بعد عودته إلى مكة:
- توفي والدته آمنة في طريق العودة من يثرب، فدفنت في الأبواء
- كفله جده عبد المطلب الذي كان يفرش له رداءه عند الكعبة ويقول: "إن لابني هذا لشأنًا"
- توفي جده وهو في الثامنة من عمره، تاركًا وصيته لعمه أبي طالب بالعناية به.
في رعاية أبي طالب
نشأ النبي ﷺ في بيت عمه أبي طالب حيث:
- تعلم التجارة ورافق عمه في رحلاته إلى الشام
- في رحلته الأولى وعمره 12 سنة، التقى بالراهب بحيرى الذي بشّر بنبوته
- عمل في رعي الأغنام ليسهم في نفقة البيت
- تعرف على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في إحدى القوافل
![]() |
| لقاء بحيرا الراهب بالنبي ﷺ والقافلة - جامع التواريخ لرشيد الدين الهمذاني |
بذور الشخصية النبوية
شكلت هذه المرحلة الأسس الأولى لشخصيته صلى الله عليه وسلم:
- الصبر: من خلال تجارب اليتم المتتالية
- الحكمة: من مجالسة الكبار في سن مبكرة
- المسؤولية: من العمل في الرعي والتجارة
- البلاغة: من إقامته في بادية بني سعد
- التواضع: من عيشه مع أبناء عمه في ظروف متوسطة
وهكذا نرى كيف هيأ الله تعالى نبيه ﷺ من خلال هذه التجارب المبكرة لما ينتظره من أعباء النبوة والرسالة. فما كان أعظم تلك التربية التي صنعت أعظم إنسان!



