يُروى أنه قبيل اغتيال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بثلاث ليال، بينما كان جالساً في المسجد بين جمع من أصحابه، دخل عليه كعب الأحبار، وكان حبراً يهودياً من اليمن أسلم، وأخذ يعلم المسلمين الكثير من علوم التوراة.
قال كعب للخليفة: "أوص يا أمير المؤمنين، فوالله ما بقي في أجلك إلا ليال معدودات!" فسأله سيدنا عمر: "وما يدريك؟"
فأجابه: "إنا نجد ذلك في التوراة!" فاستغرب الخليفة وقال: "يا الله! أأنت تجد عُمَرَ في التوراة؟!"
فقال كعب: "اللهم لا، ولكننا نجد فيها صفتك وحليتك، وأنه قد فني أجلك!"
هذه الرواية وردت في تاريخ الطبري، وإن شكك فيها بعض الباحثين، أثارت تساؤلاتٍ حول ظروف استشهاد أمير المؤمنين، وربطها بمؤامراتٍ محتملةٍ من أعداء الدولة الإسلامية الناشئة.
- الجيش في الدولة الإسلامية
شهد عهد عمر بن الخطاب توسعًا غير مسبوق للدولة الإسلامية، حيث ضمت تحت رايتها شعوبًا وأعراقًا متنوعة. لم يعد العرب يُنظر إليهم كبدوٍ بسطاء، بل أصبحوا قادةً لأمةٍ تحمل رسالةً سماوية. وقد أدى هذا التوسع إلى زيادة ثروات الدولة، فامتلأ بيت المال بغنائم الفتوحات وخراج الأراضي المفتوحة وجزية أهل الذمة. كما تأثر العرب بحضارات الأمم الأخرى، واقتبسوا منها نظم الإدارة والحكم.
- تنظيم الجيش
تحول الجيش من قوةٍ تعتمد على المتطوعين إلى جيشٍ نظاميٍ محترف. أُقيمت المعسكرات في البصرة والكوفة ودمشق والفسطاط، ووُزعت القوات على الولايات وفقًا لأهميتها الاستراتيجية. قُسّم الجيش إلى فيالق وكتائب ورهط، وعُيّن لكل وحدة قادةٌ بألقابٍ محددة مثل "أمير الجند" و"أمير الكردوس". كما اهتم عمر بتسليح الجيش وتوحيد عتاده، من سيوفٍ ودروعٍ وآلات حصار.- حماية الحدود
أُنشئت قوات خاصة لحماية الثغور والمناطق الحدودية، سُمّيت "المرابطين"، وكانت مهمتها التصدي لأي هجومٍ خارجيٍ وطلب المدد عند الحاجة. كما وُضعت أنظمةٌ لرعاية الجنود، من توفير المسكن والطعام والرعاية الصحية، وتعيين قضاةٍ لفصل النزاعات بينهم.- الولايات والأمصار
قُسّمت الأراضي المفتوحة إلى ولاياتٍ أو أمصار، لكلٍ منها والٍ يعينه الخليفة، وعامل خراجٍ لجمع الأموال، وقاضٍ لنشر العدل والدعوة. ومن أبرز الولايات:- العراق: الكوفة، البصرة، الأهواز.
- فارس: سجستان، كرمان، مكران، طبرستان، خراسان.
- الشام: دمشق، حمص.
- فلسطين: الرملة، إيلياء.
- مصر: الدلتا، الصعيد، برقة.
- بيت مال المسلمين
أصبح بيت المال مؤسسةً مستقلةً في عهد عمر، تُجمع فيه أموال الزكاة والجزية والغنائم والعشور. وُضعت له سجلاتٌ دقيقةٌ وحراسةٌ مشددة. وكانت مصاريفه تشمل:- الصدقات للفقراء والمساكين.
- رواتب الموظفين والجنود.
- بناء المنشآت العامة كالمساجد والحصون.
- تمويل الفتوحات الجديدة.
- دواوين الحكم
أحدث عمر عددًا من الدواوين لتنظيم شؤون الدولة، منها:- ديوان الجند: لتسجيل أسماء الجنود وتوزيع الرواتب.
- ديوان البريد: لنقل الرسائل بين الولايات.
- ديوان الأحداث (الشرطة): لحفظ الأمن الداخلي.
- ديوان العطاء: لتوزيع الأموال على مستحقيها.


