تاريخ الاسكندرية عبر العصور : (8) العصر العثماني

طارق الشافعي
كتب
0

 رسم المؤرخ ابن اياس صورة شوهاء لحال مدينة الإسكندرية في نهاية العصر المملوكي، وتحديدا بعد تولي السلطان الغوري امور البلاد، ولكن تلك الحالة لا يد للغوري فيها وانما الى تحول طريق التجارة العالمي عن مصر كلها الى جنوب القارة الأفريقية! فماذا كان حال الاسكندرية في العصر العثماني بعد وقوع البلاد في ايدي ابن عثمان؟ دا موضوع تدوينة اليوم وها تكون خفيفة ولكن كالمعتاد شيقة وبها معلومات جديدة ان شاء الله.. خليكو معانا..



حين فقدت مصر استقلالها واصبحت ولاية تابعة للدولة العثمانية، اصاب الإسكندرية ما أصاب مصر كلها من الأهمال، فانكمشت عن ذي قبل، ونعق بوم الخراب في ارجاءها وأقفرت شوارعها القديمة، وخربت كثير من دورها، واصبح العمران فيها مقصور على تلك الرقبة الممتدة من بين الشاطئ وجزيرة فاروس والمطلة على المينائين الشرقي والغربي، وصار يعرف بالمدينة التركية في عديد من كتب المستشرقين في القرن السابع عشر بعد ان كانت في العصر العربي من أرباض المدينة (يعني اماكنها المهجورة)، وصار ميناءها الشرقي العامر لا يصلح لرسو العديد من السفن لضحالة غاطسة، وتراكم العديد من الرواسب فيه. أما المدينة الأصلية في عصورها البطلمي والعربي صارت خرابا وأطلالا تنتثر في نواحيها حقول وبساتين في أربعة كفور لا يسكنها سوى خدام تلك البساتين، تحيط بها اسوارا قديمة تمتد لقرابة ثمانية كيلومترات حول المدينة، بها كثير من الثغرات والفتحات الكبيرة، وبها مائة برج قد اصاب أغلبها البلى والعطب لا تصد شيئا ولا يحتمي بها قليل من العسكر!



كما هجر التجار البنادقة والجنويين والفرنسيين فنادق المدينة، وضعفت صلتها بمواني الشام، بعد ان كانت يكمل بعضها بعضا، ونضبت مياء ترعة الإسكندرية (الخليج الناصري في العصر المملوكي) وصار لا يسير الماء بها الا في اوقات الفيضان فقط بعد ان كانت من أعظم الترع في مصر سابقا، فانعدم اتصالها بالقاهرة ايضا، في حين ازدهرت مواني اخرى على حسابها كمواني رشيد ودمياط، لقربها من القاهرة عن طريق فرعي النيل، فسكنها العثمانيون وصارت وجهة القادم منهم من اسطنبول بدلا من الإسكندرية. وعلى الرغم من استمرارية تواجد قنصليات بعض الدول الأوروبية بها، الا ان ذلك لم يبعث فيها الروح ولو قليلا، وظلت تسير نحو التأخر بخطى حثيثة، وقل سكانها تباعا لا يزيدون عن ستة الاف نفس كما احصاهم الرحالة الفرنسي سافاري Savary في القرن السابع عشر في رسالته المطولة عن مدينة الأسكندرية، وأغلبهم من الصيادين الفقراء الذين يعيشون يوما بيوم على ما يرسله الله لهم من رزق في البحر، بعد ان كانوا اضعاف اضعاف ذلك الرقم. وصار حدود عمران المدينة في اوائل القرن الثامن عشر ممتد بين الميناءين وبعض البيوت المتناثرة في شبه جزيرة رأس التين.



وكانت تقوم بها حامية إنكشارية ضعيفة تقبع في قلعة قايتباي قوامها لا يزيد عن مائة جندي وأحيانا خمسمائة اغلبهم من الباشبوزق والشركس والأروام ومعهم اربعة مدافع لا يصلحون للضرب اغلب الأحوال، وبرج السلسلة القديم الذي نال منه الزمن، ويصور المسيو فوليني Voleny (مستشرق من القرن السابع عشر) حال المدينة بأن فرقاطة واحدة كانت تكفي لقصفها من جهة البحر. وصارت رسومات المستشرقين بتلك الفترة تصور المدينة كقرية صغيرة يقوم فيها بعض المباني المتناثرة لا يقوم فيها الا مسلتي كليوباترا وعمود السواري وبرج السلسلة وقلعة قايتباي، وتتناثر بعض المآذن لمساجد قديمة، ويرتفع عن الأرض هضبتان احدهما شرقية (كوم الدكة) والأخرى غربية (كوم الناضورة)!..



ولم يبنى في فترة العصر العثماني الا قليل من المنشآت الجديدة كما يقول العلامة حسن عبد الوهاب في (كتابه المساجد الأثرية ج1) مثل مسجد الحاج ابراهيم تربانة (1685م) ومسجد عبد الباقي جوريجي (1758م). أما عن مدينة الاسكندرية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، كتب بعض عليماء الحملة الفرنسية ومنهم المسيو آدم فرانسوا جومار ان عدد سكانها لا يزيد عن ثمانية آلاف، ويشاركه الرأي مسيو جراتيان لوبير وهما من علماء الحملة الفرنسية الذين اقاموا في الاسكندرية طوال فترة الحملة وعمل عنها دراسات عديدة، وايضا مسيو سافاري الرحالة الذي زار الاسكندرية عام 1777م وأحصى عدد سكانها بسبعة آلاف نسمة، ينحصر الجزء المعمور فيها في المنطقة مابين سور المدينة الشمالي وجزيرة فاروس، وبعض مناطق متناثرة بين جنبات سور المدينة، والذي كان هو المنطقة المعمورة في العصر الإسلامي، وتنتشر ايضا عديد من البساتين وأشجار النخيل. 



وكانت مينائها الشرقي تعرف بميناء السلسلة، وهي لا تصلح لمرسى السفن الكبيرة لوقوعها في مهب اضطرابات البحر، ومينائها الغربي أكبر وأفضل يقع جنوبي منطقة رأس التين وهي ما تعزله عن تقلبات البحر، ويحميه بطاريتي مدافع، وبرج دفاعي يعود للعصر الايوبي. وتتصل بعدد من الطرق البرية برشيد من ناحية الشرق والقاهرة من ناحية الجنوب والعجمي او (جزيرة المرابط) من ناحية الغرب.

 


لاحقا إن شاء الله ننشر عدد من المقالات التي نشرها علماء الحملة الفرنسية عن آثار مدينة الاسكندرية التي وجدوها، فتابعونا..

الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)