تاريخ الفنون والموسيقى في عصر الدولة الاسلامية

وقال الراوي
كتب
0
قد لا يحلو للبعض مجرد ذكر تاريخ الموسيقى والغناء في العصر الاسلامي، وكيف تعلَّق بعض الخلفاء بالفنون سواء الشعر أو الغناء، والذي وصل إلى حد محاربه من يفتون بحرمتها من الفقهاء، ولكنها اولا وأخيرا صفحات من تاريخ الدولة الإسلامية، لا تقل اهمية عن الانتصارات والفتوحات العظيمة التي يتوقفون عندها مليَّا، فالحضارة تكون متكاملة سياسيا وعسكريا وثقافيا واجتماعيا، وليست في جانب واحد دون غيره..  
 
بلغ اهتمام الخلفاء والأمراء في الدولتين الأموية والعباسية بالغناء مبلغا كبيرا، وأمست مجالس الطرب تنعقد في بلاط الخلافة، ولقي المطربون والملحنون والعازفون رعاية كبرى من الحكام، تمثلت في العطايا المادية، وتقريب أصحاب المواهب، ومنحهم المال والعطايا ما يجعل معيشتهم رغدة هنيئة. وكان ارتقاء الغناء وشيوعه في الأمم الاخرى عنوانا على قوة الدولة وسطوتها ووقوتها الثقافية وتأثيرها في الاخرين، وايضا بلوغ أوجها في الرفاهية والتنعم، هذا ما ذكره ابن خلدون في مقدمته، يقول: “وإذ قد ذكرنا معنى الغناء فاعلم أنه يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي، ثم إلى الكمالي، وتفننوا فيه، فتحدث هذه الصناعة، لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجاته الضرورية والمهمة من المعاش والمنزل وغيره”.

وايضا يقول ابن عبد ربه في العقد الفريد: 
“كان للرشيد جماعة من المغنين، ومنهم إبراهيم الموصلي، وابن جامع السهمي، ومخارق، وطبقة أخرى دونهم، منهم زلزل، وعمر الغزال، وعُلَّوية، وكان له زامر يقال له برصوما، وكان إبراهيم أشدهم تصرفا في الغناء وابن جامع أحلاهم نغمة”.
 
وكان الخليفة الأمين ابن الرشيد من محبي الطرب، غناه إبراهيم الموصلي يوما أبياتا للحسن بن هانئ، فاستخف الأمين الطرب حتى قام من مجلسه وأكب على إبراهيم يقبل رأسه، وأمر له بثلاثة آلاف درهم، فقال إبراهيم: “يا أمير المؤمنين قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم”.. فقال الخليفة: وهل ذلك إلا خراج بعض الكور؟”. 
 


أما الخليفة المعتصم فكان يدافع عن الغناء ضد من يفتون بمنعه من الفقهاء، وكثيرا ما تجادل مع قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الذي كان يمتنع عن حضور مجالس الطرب، ولا يرى فيها إلا تضييعا للوقت والمال: 
“جلس المعتصم يوما يستمع إلى المطرب إبراهيم بن المهدي، ثم تذكر الخليفة شأنا عاجلا من شؤون الدولة، فأرسل يستدعي قاضي القضاة، فلما وصل واقترب من المجلس واستمع الغناء، تملكته الحيرة والاضطراب، وشغله الغناء عن كل شيء حتى سقطت عصاه من يده، ثم دخل وجلس مستمعا، فلما انتهى المغني كان الطرب قد استبد بالقاضي، فوثب يلتمس من الخليفة أن يأمر بإعادته، فضحك المعتصم قائلا: إن تبت مما كنت تناظرنا فيه من صناعة الغناء سألت عمي أن يعيد غناءه عليه، فقال القاضي: قد تبت من ذلك، ورجعت عن رأيي في الغناء، وتركت مذهبي إلى مذهب أمير المؤمنين”.

إن تيارات الغلو، وأصحاب الفكر الجامد، الذين ملأوا رؤوس أتباعهم بأن الغناء كان سببا لانهيار الدولة الإسلامية، لاسيما في الأندلس، وأن انشغال الخلفاء بالطرب كان عاملا أساسيا لزوال ملكهم، ولهم في هذا قصص ساذجة، مثلا أن جاسوسا من القشتاليين (الأسبان) دخل الى بلاد الأندلس فوجد صبيا يبكي، فسأله ما يُبكيك يا بُني؟ فأجابه أن قوسه التي يرمي بها قد انكسرت، ففهم الجاسوس أن المسلمين في حالة تأهب دائم لمواجهة اعدائهم وعاد أدراجه. وبعد فترة كرر الجاسوس زيارته فوجد صبيا يبكي، فسأله ما يُبكيك؟ فقال له: إن عودي قد انكسر، ففهم الجاسوس من ذلك أن المسلمين قد انشغلوا باللهو والغناء عن التدريب والحرب!.. بمثل هذه السذاجة، يتعامل الغُلاة مع نهضة الموسيقى والغناء في العصور الاسلامية، متناسين تماما، ان نهضة الفنون من نهضة الدولة، فلو كانت الدولة ضعيفة لما تطورت في عدة مجالات في نفس الوقت . وأن الأمم التي يصفونها بالعدوة كان لها أيضا حظ من الفن الموسيقي، وهو ما يقرره ابن خلدون في المقدمة إذ يقول: 
“افترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب ألحانهم فاتخذوها لغناء بعض أشعارهم”.


ومن ابن خلدون للمستشرق الإيرلندي هنري جورج فارمر (ت 1965) والذي يؤكد أن الخليفة العباسي الواثق كان من أبرع الخلفاء في العزف والغناء، ومنه إلى كمال النجمي إذ يقرر: 
"كان اشتغال الخلفاء والأمراء والقادة والكبراء بفن الغناء في الدولتين الأموية والعباسية برهان حضارتهما، ولم يكن أبدا برهان فسادهما."
الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)