بعد أن وصلت الخلافات بين محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني إلى طريق مسدود، عقد السلطان في أبريل عام 1832م مجلسا شرعيا، لأنه لم يبقَ أمامه سوى السلاح الديني في مواجهة خصمه الألباني العنيد الجالس على أريكة الحكم في مصر.
وعليه انعقد المجلس الشرعي في الآستانة، وهو مُؤلَّف من: ثلاثة مفتيين، وأربعة عشر من قضاة العسكر، واثني عشر قاضيًا من قضاة المحاكم، وتسعة من أئمة السراي السلطانية والمدارس الشاهانية ومن إمامَي جامع أيا صوفيا وجامع السلطان أحمد، فلما اجتمعوا وجِّه السلطان إليهم السؤال الآتي للإجابة عليه:
س: ما الذي جاء به الشرع الشريف من الأمر بطاعة أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين؟
فأجابوا: قد فُرضت عليه الطاعة والوقوف عند حد أوامره جهد الاستطاعة.
فسأل: ما الذي جاء به الشرع الشريف في عقاب العامل المارق عن طاعة خليفته وسلطانه الذي أحسن إليه وأتمَّ نعمته عليه، فطغى وتجبَّر ودس الدسائس وأقام الأحقاد وأيقظ الفتنة الراقدة وعمل على تمزيق ملك سلطانه، فركب متن الجور والعسف وأراق الدماء هدرًا وخرَّب ديار المسلمين، ولم يرضَ بالطاعة للدين ولا عمل بسنة سيد المرسلين؟
واجابوا: يُجرَّد من سائر رتبه ووظائفه، ولا يُعهد إليه بأمر من أمور المسلمين، ثم يحل به القصاص ويُلقى لوحوش البرية أو إلى طيور الفلا، وهذا جزاؤه في الدنيا، وفي الآخرة الخزي والنار الآكلة.
فعاد وسأل: هل يكون الخليفة مسئولًا أم ذلك المارق أمام اللَّه والناس؟
واجابوا: لا جناح على الخليفة ولا تثريب؛ فإنه قام بما فرضه الشرع الشريف وجاءت به أحكام الدين الحنيف.
وعليه أصدر أولئك المشايخ الحكم الآتي:
«حيث ثبت خروج محمد علي وولده إبراهيم عن طاعة سلطانهما فحق العقاب عليهما كما حق على سائر من حذا حذوهما بشق عصا طاعة أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين، وبذلك قضى الشرع الشريف. فقد قررنا تجريد محمد علي وولده إبراهيم من جميع الرتب والمناصب الديوانية وألقاب الشرف الممنوحة لهما من لدن أمير المؤمنين، ثم بقصاصهما مع سائر من شاركهما في هذا العصيان والخروج عن طاعة السلطان.»
صدر ذلك الحكم في الآستانه عام 1838م، فحمله إلى محمد علي قومندان إحدى مرحبا السفن الإنجليزية، فلم يعبأ به وقال في جمع من قناصل الدول:
«هل يسمح السلطان لنفسه أن يحاربني باسم الدين، وأنا أحق منه بمَهْبِط الدين والوحي؛ لأني أنقذتُ الحرمين الشريفين وأعدْتُ للدين سلطانه، وأنا الآن أحكم مكة المكرمة والمدينة المنورة؟»
وأخذ مشايخ العلم في مصر وسواها يهزءون بالفتوى والحكم. وقد استعان محمد علي بعلماء من الازهر للرد على تلك الفتوى في بيان قام بنشره في صحيفة الوقائع وارسله لكافة البلاد باللغات العربية والتركية.
