ﻏُﻠِﺒَﺖِ ﺍﻟﺮُّﻭﻡُ في أدنى الارض (معركة أنطاكية) ﻭَﻫُﻢْ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪِ ﻏَﻠَﺒِﻬِﻢْ ﺳَﻴَﻐْﻠِﺒُﻮﻥ (معركة نينوى)

طارق الشافعي
كتب
0

في البداية قام العاهل الفارسي كسرى الثاني بإِسْتِغْلال نزاع على السلطة في الإمبراطوريةِ البيزنطية وانطلق مع جيوشه يغزو شامل للأراضي البيزنطية، بغرض إعادة حدود الإمبراطورية الأخمينية السابقة. وبدأت الحرب عام 602م. وفي عام 608 وصلت جيوش الفرس في آسيا الصغرى إلى كريسبوليس المواجهة للقسطنطنية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في الجانب الآسيوي، في الوقت الذي تقدمت فيه قبائل الآفار والسلاف حلفاء الفرس في البلقان لتطوق القسطنطنية من الجانب الأوربي، وغزت جيوش البرابرة عامة البلقان ووصلت إلى أثينا.



وقد وسع الفرس رقعة ممتلكاتهم في الشام وأرمينيا. وفي عام 613 احتلت جيوشهم مدينة دمشق. وانتصر الفرس في عدة معارك في سهل حوران بين بصرى ودرعا، وأخرى عند البحر الميت. ثم في العام التالي 614 زحف الفرس إلى إيلياء (القدس). وضربوا حصارا حولها 20 يوماً، ثم اقتحموها عنوة ونهبوا بيوتها وقتلوا العديد من اهلها النصارى بمساعدة اليهود (حلفاء الفرس التقليديين) وبلغ عدد القتلى على رواية بعض المؤرخين البيزنطيين بـ57 ألف. وايضا دمر الفرس كنيسة القيامة واستولوا على الصليب المقدس (صليب الصلبوت) ونقلوه الي عاصمتهم برسبوليس المدائن. وكان نبأ سقوط بيت المقدس في أيدي الفرس صدمة كبيرة بين البيزنطيين وسائر العالم المسيحي. فقد كانت المرة الاولى التي تقع فيها هذه المدينة المقدسة بأيدي غير مسيحية.


ثم تقدم الفرس إلى مصر، فسقطت الإسكندرية في أيديهم سنة 619، وبذلك انقطع وصول القمح للقسطنطينية وازدادت الأحوال الاقتصادية سوءا، وبحلول عام 622 م كانت الإمبراطورية البيزنطية على حافة الانهيارِ، وحدودِ الإمبراطوريةِ الأخمينية السابقة على كُلّ الجبهات احتلها الساسانيون الفرس ما عدا أجزاء من الأناضول. ولم يبق للروم إلا جنوب البلقان ومدينة أثينا وبعض جزر بالبحر المتوسط (قبرص ورودس وصقلية) وجنوب ايطاليا وشريط ساحلي في شمال إفريقيا (قرطاجة). وانهارت معنويات البيزنطيين لحد بعيد، وازداد الصراع الداخلي بينهم إذ بدأ القادة يتقاسمون النفوذ على بعض المناطق فيما بينهم، وتوقع المراقبون سقوطا سريعاً للامبراطورية العظيمة، إذ بدى من المستحيل أن يصمدوا كثيرا امام هجمات الفرس وحلفائهم من البرابرة.



ولكن الخلاص بدا في صورة انقلاب عسكري حيث تمكن القائد هرقل حاكم قرطاجة من الاستيلاء على القسطنطينية، وأعاد تنظيم الجيش. وأبدى هرقل شجاعة ومهارة كبيرة في مواجهة الخطر الفارسي. فبدلاً من منازلة جيوش الفرس المتوغلة في أراضي الامبراطورية، قام بالاتفاف عليهم ومهاجمتهم في عقر دارهم في البلاد الفارسية. فذهب للتحالف مع الخزر الترك والارمن، وابحرت جيوشه عبر البحر الأسود الى ميديا (اذربيدجان حاليا) سنة 624، وقام بتدمير أكبر معبد نار مجوسي (انتقاماً لتخريب كنيسة القيامة في القدس).

وهنا ظَهرَ شكٌّ متبادلَ بين الملك كسرى الثاني وقائد جيشه شهربراز. وقام الوكلاءُ البيزنطيون بتسريب رسائل مزيفة للقائد الفارسي تظهر بأنّ الملك كسرى الثاني كَانَ يُخطّطُ لإعدامه. فخاف شهرباراز على حياته وتوقف عن الزحف نحو القسطنطينية، فضمن هرقل حياده على الاقل في هذه الفترةِ الحرجةِ. وبذلك خسر الفرس خدماتَ إحدى أكبر جيوشِها وإحدى أفضل قادتها. كما توفي بشكل مفاجئ احد اكبر قادة الجيش الساساني حاكم بلاد القوقاز والأناضول. الامر الذي رَجَّحَ كفّة الحرب لمصلحة البيزنطيين، وأوصل الملك كسرى الثاني إلى حالةِ الكآبةِ.


وبمساعدةِ الخزر والارمن وقوَّات تركية أخرى، استغل الإمبراطور البيزنطي هرقل غياب قادة الجيش الساساني ورِبح عِدّة انتصارات مُدَمّرة للفرس بعد 15 عاماً من حربهم للبيزنطيين. حملة الملك هرقل تَتوّجتْ في معركة نينوى، حيث انتصر الملك هرقل في يناير عام 627 (بدون مساعدة الخزر الذين تَركوه) انتصاراً ساحقاً على الجيش الفارسي بقيادة راهزاد. وهذه المعركة الحاسمة قد قررت مصير الصراع بين الطرفين.


وبعد عدة انتصارات، زحف هرقل لساحل الشام، فاستولى على عكا، ومنها استعاد القدس عام 628م وانطلقت بعض جيوشه لاستعادة الإسكندرية ومصر وطرد الجيوش الفارسيه منها. ثم زحف هرقل بجيشه إلى العراق، حيث وصلته أخبارَ اغتيالِ الملك كسرى الثاني. ثم ارسل يتحالف مع الأحباش عام 629 وانتصر مجدداً على الفرس قرب مدينة برسبوليس العاصمة. وعندها رآى شيرويه بن كسرى أن من الأفضل أن يعقد الصلح مع هرقل. وبمقتضاه استردت بيزنطة كل ما كان لها من البلاد التي كانت قد سقطت في أيدي الفرس، بما في ذلك أملاكهم في بلاد الجزيرة الفراتية والشام ومصر. وكانت هذه الانتصارات من اهم اسباب علو شأن هرقل والبيزنطيين بين الأمم، وكذلك أفول نجم دولة الساسانيين حتى غزاها المسلمون بعد ذلك وسقطت على ايديهم.


وكانت أنباء الحرب مثار اهتمام عديد من الامم الاخرى، ممن كانوا تحت حكم البيزنطيين، وحتى الامم المجاورة كالعرب في مكه وبصرى والحيرة. وتقول كتب السيرة ان المسلمين في مكه والمدينة ناصروا الروم لانهم اهل كتاب، بينما ناصر اهل مكه من المشركين الفرس، وعندما وصلت انباء هزيمة الروم في معركة انطاكيا حزن المسلمون، ولكن القرآن بشرهم بانتصارهم قبل حدوثه بتسع سنين. 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)