الكاهن "مانيتون السمنودي" يكشف للبطالمة حقائق التاريخ المصري القديم

طارق الشافعي
كتب
0
تكمن المفارقة العجيبة في أن الكاهن المصري الجليل الذي صاغ لنا تاريخ مصر القديمة من البدء إلى الختام، لا نملك عنه تفاصيل شخصية مؤكدة فلا نعرف متى وُلد ولا متى توفاه الأجل. كل ما توفر لنا هو أن اسمه مانيتون، وكان كبير كهنة هليوبوليس في عصر الملك بطليموس الثاني (فيلادلفوس)، في القرن الثالث قبل الميلاد وينسب هذا الكاهن إلى مدينة سبنتيوس (سمنود حالياً) في الدلتا. كان مانيتون السمنودي، كما عُرف، مُقرباً من البلاط البطلمي، متقناً للغة اليونانية، ومستشاراً لوالد الملك، بطليموس الأول.


الدوافع التي قادت مانيتون إلى تدوين تاريخ بلاده كانت درامية وتنافسية؛ فبعد أن أجرى الملك بطليموس حواراً معه، اتضح أن معرفته بتاريخ مصر مقتصرة على كتابات المؤرخ اليوناني هيرودوت، ردّ مانيتون بتهكم على هيرودوت واصفاً إياه بـ "مجرد سائح" جمع معلوماته من مترجمي الشوارع، مؤكداً أن التاريخ الحقيقي هو ذلك الذي تتوارثه طبقة الكهنة عبر آلاف السنين. استشعر الملك بطليموس أنه على أعتاب كنز علمي لا يُقدر بثمن، فأمر الكاهن بالتفرغ التام لتأليف عمل ضخم، ومنحه الصلاحية المطلقة للدخول إلى أي معبد والاطلاع على أي سجلات أو برديات موجودة في "بر عنخ" أو "بيت الحياة" (أرشيف المعبد).

ولم تكن المهمة علمية بحتة؛ بل كانت تخدم هدفاً سياسياً وإدارياً نبيلاً: ربط شرعية الحكم الهلنستي الجديد بعظمة التاريخ المصري الممتد، حين أراد بطليموس أن يقف على أرض صلبة جذورها متأصلة في أعماق الماضي، ليُقدم كتابه في مكتبة الإسكندرية للقراءة على مسامع العالم.


لم يكن مانيتون أول من جمع قوائم ملوك مصر؛ فالكهنة كانوا حريصين على تدوين أسماء الحكام باستمرار، كما تشهد على ذلك قوائم بردية تورينو وقائمة ملوك أبيدوس. لكن القيمة الحقيقية لعمل مانيتون (الإيجبتياكا أو تاريخ مصر) لم تكن في جمعه للمعلومات، بل في عبقرية تنظيمه المنهجي، فقد كان أول من قام بتقسيم تاريخ 3000 سنة إلى نحو 30 أسرة حاكمة. واعتمد في هذا التقسيم على معيار واضح: انتقال العاصمة أو انقطاع السلالة الحاكمة هذا التقسيم هو الذي أصبح الأساس الذي قام عليه علم المصريات الحديث.


الأهم من ذلك، أن قوائم الملوك في المعابد المصرية كانت قوائم دعائية وانتقائية، حيث أسقطت عمداً ملوكاً اعتبرتهم غير شرعيين أو مهرطقين، مثل الملكة حتشبسوت، وملوك العمارنة (أخناتون) لكن مانيتون، الذي كان يكتب لملك مقدوني ولا يعنيه التحيز الديني أو السياسي، أظهر مصداقية فريدة؛ فقد شمل جميع هؤلاء في قوائمه بل وشمل أيضاً ملوك الهكسوس ، وملكات لم تذكرهن القوائم المصرية الرسمية، مثل الملكة سوبك نفرو رع من الأسرة الثانية عشرة، والتي لم يصدق العلماء وجودها حتى تم العثور على تمثال لها في سقارة عام 1894، مؤكداً صحة ما كتبه مانيتون. وعلى تقسيمة مانيتون للأسر، أضاف علماء العصر الحديث التقسيم الفرعي للأزمنة إلى دول (قديمة، وسطى، حديثة) وفترات انتقالية، وفقاً لعصور الاستقرار مقابل الفوضى.

لم يكتفِ مانيتون بتاريخ البشر، بل ضمّ في مؤلفه فترة زمنية طويلة تسبق عصر الملك مينا، أسماها "زمن الآلهة"، حيث زعم مانيتون أن البلاد كانت تحت حكم الآلهة، الذين أرسوا العدالة والأمان ووحدوا البلاد، وهي فترة تمتد لحوالي 24 ألف سنة، وقسمها إلى فترات فرعية تشمل الآلهة، وأنصاف الآلهة، ثم أتباع حورس، والتي تسبق التاريخ المصري بشكل مباشر، كان هذا الجزء بمثابة الإطار الروحي الذي يفسر الشرعية الأزلية لأي حاكم مصري، باعتباره نائباً عن الآلهة الحكام الأصليين.


تعرض "الإيجبتياكا" لمصير مأساوي؛ فقد فُقدت نسخته الأولى في خضم صراعات الرومان والبطالمة خلال حريق الإسكندرية، وفقدت نسخته الثانية في أحداث تدمير مكتبة معبد السيرابيوم في القرن الرابع الميلادي. ولم ينجُ من هذا العمل العظيم سوى مقتطفات نقلها بعض المؤرخين اللاحقين. وهنا بدأت لعنة التحريف:

1. يوسيفوس فلافيوس: المؤرخ اليهودي الذي استعان بكتابات مانيتون في كتابه "الرد على إيبيون" ، ليؤكد أن أصل بني إسرائيل هم الهكسوس الذين أسسوا أورشليم. لكن يوسيفوس لجأ إلى تحوير وليّ للحقائق؛ فمانيتون لم يقل ذلك صراحة، بل قام يوسيفوس بالتعديل لتقوية حجته التاريخية وإثبات الأصول العريقة لجماعته.

2. جوليوس الإفريقي ويوسابيوس القيصري: هذان المؤرخان المسيحيان اللذان عاشا في القرنين الثالث والرابع الميلاديين على التوالي، نقلا قوائم الملوك، ولكنهما مارسا تعديلاً جوهرياً. فقد قاما باختصار وتقصير فترات حكم الآلهة الطويلة لتتناسب مع خط الخلق الزمني للكتاب المقدس، الذي لا يتجاوز 7000 سنة.

3. وقد لاحظ المؤرخ البيزنطي جورجيوس سينكيلوس هذا التلاعب في الأرقام لاحقاً، وافترض أن الناقلين ربما اعتمدوا على ملخصات أو نُسخ مختلفة من كتاب مانيتون وليس الأصل ذاته. كما أن غياب الأمانة العلمية بمعاييرنا الحديثة، واحتمال الخطأ البشري، ضاعفا من التشوهات التي لحقت بالنص الأصلي.


رغم هذه التحديات، تمكن العالم البريطاني W. G. Waddell من تتبع ومطابقة المقتطفات وإعادة بناء جزء كبير من "الإيجبتياكا" ونشره عام 1940 وبغض النظر عن النسخ المحرفة، ظلت قائمة ملوك مانيتون مرجعاً أساسياً. لقد كان مانيتون أحد المراجع الرئيسية لشامبليون في حل لغز الهيروغليفية، وساعدت قائمته في تكوين الإطار الزمني الصحيح للتاريخ المصري ورغم أهمية هذا الإطار، فقد أجمع علماء المصريات منذ شامبليون وحتى اليوم على أن فترة حكم الآلهة تُدرس كجزء من الميثولوجيا المصرية، لا كزمن تاريخي مادي، وتم إلقاؤها في سلة الأساطير والخرافات لعدم قبولها زمنياً أو جيولوجياً.


هكذا، يظل "تاريخ مصر المفقود" درساً عميقاً؛ فالتاريخ ليس حقيقة مطلقة، بل هو تفسير مستمر. فكما أننا ننقح ونفسر ما كتبه مانيتون بعد ألفي عام، سيتعين على الأجيال القادمة أن تُفسر وتُنقح تراثنا الحالي بعد ألفي أو أربعة آلاف عام، ساعين للفصل بين تاريخنا الموثق وأساطيرنا المروية في كثير من الاعمال السينمائية والدرامية، تماماً كما فعلنا نحن وفعل الذين من قبلنا مع "الإيجبتياكا".. أو تاريخ مانيتون السمنودي.
الأقسام :

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)