مغامرون وجواسيس أوروبيون تسللوا لجوف "الكعبة" ووصفوا الأراضي الحجازية بدقة

طارق الشافعي
كتب
0

منذ دخول عديد من الأمم في الاسلام وبدء توافد الحجيج على مكه المكرمه لأداء فريضة الحج كل عام، لقرون عديدة ظلت الأراضي المقدسة قاصرة على المسلمين فقط، مما اثار الفضول عند غير المسلمين أن يدخلوها لأسباب دينية او حتى مدفوعا بالرغبة، في مغامرات كتبوا عنها في مذكراتهم ووصفوا ماشاهدوه من شعائر المسلمين المقدسة واماكنهم المقدسة.

 

لودفيكو دي فارتيما والشخصيات التي ظهر من خلالها

منهم لودفيكو دي ڤارتيما Ludovico di Varthema وهو رحالة ايطالي، يعد أول اوروبيا يدخل مكه والحرم الشريف بشكل عام، بدأ حياته جنديا مرتزقا ولكنه مال إلى شغف المغامرة، والحداثة والشهرة. سمع عن خصوصية الحرم المكي ومنع غير المسلمين من دخوله، فقرر السفر إلى الحجاز لخوض تلك المغامرة. سافر الى الإسكندرية عام 1502م ومنها الى بيروت وطرابلس وحلب ودمشق، فعلم الكثير عن تاريخ المسلمين واوضاعهم، وعلم ان هناك مسلمين لا يجيدون العربية من المماليك والاتراك والفرس يمكنهم دخول مكه بدون ان تُشكل عدم إجادته للعربية عائقا أمام ذلك. ومن مكه وصف دي ڤارتيما الكعبة وماحولها وشعاب المدينة وجبالها، وحكى أيضا عن حالة الذعر التي سببها اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح، واعتراض سفنهم لسفن الحجاج الهنود وقتلهم. ومن جده، ابحر دي ڤارتيما في سفينة تجارية في ميناء جدة متجهة إلي الهند. واتجهت جنوباً في البحر الأحمر وعبر مضيق باب المندب إلي عدن، ومع ذلك عند وصوله إلى عدن، اعتقله الامن وسجنوه لفترة كـ"جاسوس نصراني" يتجسس لصالح البرتغاليين، ولكنه دافع عن نفسه وقال انه مملوك من مصر اسمه يونس ولا يجيد العربية، ولم يصدقوه فاضطر دي ڤارتيما إلى أن يتظاهر بالجنون، فتركوه يذهب! ورحل من جديد في سفينة متجهة للهند في مارس 1504م، وكان من المفترض أن تتوقف السفينة لبعض الوقت في الخليج العربي أولا، ولكن الرياح المعاكسه والتيارات البحرية اضطرتها للجنوح للساحل الافريقي، إلى زيلع وبربرة. وقد أعطى وصفا مختصرا للمكانين من بلاد الصومال، وشرع السفينة للإبحار عبر بحر العرب إلى الميناء الهندي ديو في كوجرات. وأبحر شمالا في خليج كمبات إلى جوقه ثم عاد إلى الخليج العربي إلى مدينة جلفار ومنها سلك طريقه للساحل الشامي ومنها الى بلاده من جديد.

 

الحاج علي باي الشريف العباسي

ومنهم ايضا دومنيجو فرانشيسكو باديا Domingo Francisco Badía وهو اسباني من برشلونه تشبع بالثقافة الاسلامية من بقايا المورسكيين في بلاده، ومن ثَم ارسله الأسبان عام 1805 جاسوسا يتقرب من سلطان المغرب ويقنعه بقبول الحماية الإسبانية على بلاده للحماية من أطماع الفرنسيين! واختار باديا لنفسه إسم “علي باي العباسي” ناسباً أسرته للسلاله العباسية ابناء عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن انكشف امره بسرعه وطُرد من المغرب عام 1808م، فقرر أن يذهب إلى الحجاز ويزور الأماكن المُقدسة إعتمادا على هيأته الشرقية وإجادته للغه العربية، فوصل باديا مكه في نفس العام، وقيل انه ايضا اشترك في طقوس غسل الكعبة ذات يوم، ووصف المدينة وأهلها وبيوتها ودروبها وشعابها وجبالها بشكل مستفيض، وكان الأكثر دقة في وصف الموقع الجغرافي ورسم شكل الأماكن المقدسة، بإعتراف عديد من المستشرقين. وفي طريق عودته، توقف في القدس وأماكن بارزة في سوريا، ووصل القسطنطينية في خريف عام 1810م. وبعدها بسنوات تقرر إرساله في مهمة جديدة فتغير اسمه إلى الحاج علي أبو عثمان وذهب إلى دمشق. وهناك تم اكتشافه من قبل بعض التجار الانجليز، فوشوا به لدى الأمن في دمشق فقرروا دس السم ليتخلصوا منه، وبعد دعوته للعشاء من باشا دمشق كان احتساء قدح من القهوة هو آخر مايشهده باديا من هذه الدنيا.

 

بيدرو دا كوفيليا من واجهة كاتدرائية ماديرا - البرتغال

والثالث كان مغامرا من البرتغال اسمه بيدرو دا كوفيليا Pedro da Covilhã ، كان مستكشفا ودبلوماسيا من مواليد البرتغال 1450م، عمل بالدبلوماسية في بداية حياته، حيث شهد الصراع بين بلاده وبين الاسبان لاستكشاف اراضي جديدة، فانضم لاسطول الملك الفونسو الاول لاستكشاف الساحل الافريقي والوصول لمراكز التجارة مع الهنود والعرب. وفي رحلة اخرى لالتماس طريقا من شرق افريقيا، ابحر دا كوفيليا من بلاده للاسكندرية كتاجر للعسل، ومنها للاراضي الحجازية حيث حط رحاله في جده ومكه لبضعة اسابيع، قبل ان يتوجه لاثيوبيا عام 1490م حيث اعتقله الامن هناك بصفته جاسوس ومنعوا اتصاله بدولته، ولكنه من سجنه استطاع تهريب بعض الرسائل والتي سلكت طريقها للبرتغال تخبرهم بأمره. ارسلت البرتغال سفارة ضخمة لتطلق سراحه، وصلت لاثيوبيا بعد عشرين عاما قضاها دا كوفيليا سجينا في اكسوم (الحبشة) بعدها امر الامبراطور باخراجه من السجن ومنحه منزلا وخادما وراتب للمعيشه، ولكن لم يسمح له بمغادرة الحبشة لنهاية حياته! توفى عام 1526م بعد ان نجح في تهريب كل مؤلفاته للبرتغال، سجل كل رحلاته الى إسبانيا والمغرب وإيطاليا واليونان ومصر والسودان واليمن والمملكة العربية السعودية والهند وموزمبيق وإيران وإريتريا وإثيوبيا.  كانت هذه الرحلات ، جنبًا إلى جنب مع الإنجازات البحرية لبارتولوميو دياس ، مفيدة في تمهيد الطريق للبعثات البرتغالية اللاحقة ، وأهمها اكتشاف الطريق البحري إلى الهند بواسطة فاسكو دا جاما في عام 1497م. 




إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)