في عام 651م ذهب والي مصر عبد الله بن ابي السرح لغزو مملكة النوبة، مصطحبا معه جيش من أربعة آلاف مقاتل وأربعة مجانيق (على رواية بن عبد الحكم)، وبعد حصار وقصف مكثف ودفاع مستميت من النوبيين لقواته، أدرك ابن أبي السرح صعوبة الإستيلاء على هذا الإقليم، كما لمس أيضا بنفسه صعوبة العيش فيه نظرا لتغير الطقس. ولكنه مازال يريد تأمين حدوده الجنوبية والحصول على خيرات النوبة ومواردها. فرأي إن الأفضل من القتال هو مهادنة الملك، فرفع الحصار وعقد صلحا مع ملك المُجرة يعتبر من اطول المعاهدات في التاريخ!
وكان والي مصر السابق أيضا، القائد عمرو بن العاص، قد أرسل جيشا بقيادة عقبة بن عامر لغزو بلاد النوبة عام 646م، ولكنه ذاق الأمرَّين وهُزم في أكثر من معركة، كما فقد عدد كبير من جيشه أعينهم التي استهدفها رماة الاسهم من أبناء النوبة، حتى أطلق العرب عليهم اسم "رُماة الحدق" (وهو مقلة العين)! ونصت المعاهدة التي عقدها ابن أبي السرح مع ملك المُجرة (من بلاد النوبة)، كما يلي:
- ألا يهاجم الطرفين بعضهما البعض بعد اليوم، العرب والنوبيين.
- وأن تكون حرية التجارة والسفر والتنقل بين البلدين، مكفولة للجميع في مصر والنوبة.
- أيضا منع الهجرة والاستيطان لمواطني الدولتين في أراضي الدولة الأخرى، وأن يتم تسليم الهاربين أيضا سواء هنا او هنا.
- وأيضا يتم بناء مسجد في المُجرة للمسلمين الزائرين والوافدين، وأن تكون مسوؤلية حمايته وتأمينه مكفولة.
- ايضا اشترطت على أن العرب في مصر ليسوا ملتزمين بحماية النوبيين من الهجمات من قِبل أقوام أخرى.
- واخيرا تقوم مملكة المُجرة بإرسال 360 عبدًا هدية إلى والي مصر كل عام. على أن يكون هؤلاء العبيد صحيحي الأبدان ليسوا من العجائز أو الأطفال، ويكونوا خليطًا من الذكور والإناث. إضافة إلى 40 عبدًا اخرى توزع على وجهاء ولاية مصر.
هذا وقد إلتزم ملوك النوبة بهذه المعاهدة لمدة تزيد عن 700 عاما، إذ ظلت بنودها قيد التنفيذ رغم تغير الدول الحاكمة لمصر وحتى نهاية العصر المملوكي تقريبا في القرن الخامس عشر الميلادي. مما يجعلها وبلا منافس أقوى وأطول معاهدة في التاريخ! أما مسجد المُجرة والذي انشأه ابن أبي السرح، فكان النواة الاولى لنشر الإسلام بشكل سلمي في بلاد النوبة والسودان على مدار مئات الأعوام بعد ذلك.
