منذ بداية الإحتلال الإنجليزي للهند في القرن السابع عشر الميلادي، واجه الجنود مقاومة شرسة من الهنود المسلمين، سكان الساحل الغربي، في حين كانت المقاومة أضعف قليلا حين توغلوا في الداخل وجهة الجنوب. ولذلك فقد وجّه الانجليز جُل اهتمامهم لمناطق المسلمين، وجاؤوا بجيش من المستشرقين والمبشرين توغلوا في كل كبيرة وصغيرة في حياة وتراث الهنود لاكثر من مائة عام، يمهدون للاحتلال فكريا وروحيا، ليسهلون الأمر على الجيوش (مواجهة الدين بالدين)..
| السيد (السير) أحمد خان |
ومع ازدياد تمسُك المسلمين الهنود بدينهم ورفض التحول لديانات أخرى، ظهرت بعض مؤلفات مثل كتاب (اظهار الحق) للشيخ رحمة الله ضربت تلك الاستراتيجية في مقتل، وجعلت مجرد الإطلاع على ذلك الفكر المغاير أمر في غاية الصعوبة! فأدرك الانجليز ضرورة التحول الى استراتيجية اخرى، وان عليهم استخدام الاسلام لا المسيحية للسيطرة على الهنود. فتحولوا الى الإستعانة بالمشايخ و الفقهاء وأهل الفتوى، من تسمح له مبادئه بالتعاون مع المحتل، وذلك لتكوين رأي مغاير أمام الناس، فلا يكون هناك إجماع على المواجهة والثورة، بل يكون هناك من ينشر فكر التعايش والسلام أو ما شابه!
وكان محور فكر مشايخ "الإحتلال" أن الإنجليز ليسو كفرة، بل هم "أهل كتابِ"! وقد أوصانا القرآن خيرا بحسن معاملتهم واحترامهم، وان احتلالهم للبلاد لا يحولها إلى دار حرب، وبالتالي لا يستوجب الجهاد لطردهم منها، لأنهم لا يتعرضون للدين من قريب أو من بعيد!.. بل على العكس من ذلك يحرصون على احترامه وحماية حق الأقليات الإسلامية أمام الهندوس والسيخ، ليس ذلك في الهند فقط بل في سائر مستعمرات الإمبراطورية. وكان أشهر من روج لهذا الفكر سيد أحمد خان، والذي كان مجهوده مثمرا استفاد منه الإنجليز كثيرا في مد عمر احتلالهم للهند لمائة عام أو أكثر!.. ففي عام 1857 اندلعت ثورة عارمة في اغلب مدن الهند ضد الإحتلال وتصدر المسلمون مكانا متقدما في قيادة حركات المقاومة والجهاد ومحاربة الجيوش الإنجليزية، وبعد عدة أعوام استطاع الإنجليز قمع تلك الثورة بوحشية، ضربوا فيها الثوار بالذخيرة الحية والمدافع، وهدموا البيوت والمساجد والمدارس وخلافه، فانتشر السيد أحمد خان يدعو مسلمي الهند أن الإنجليز سوف يبيدونهم إبادة جماعية ويقضون على الوجود الإسلامي بالهند! ونصحهم بالابتعاد عن الثورة والعودة الى الله والصلاة والتوبة والإستغفار، لعل الله يقبل منهم ويصلح أحوالهم. ونصحهم أيضا بالتصالح مع الإنجليز والتعايش معهم، وان يتعلموا لغتهم ويعملون في مؤسساتهم و شركاتهم.
ولما نجحت دعوة السيد احمد خان ولفتت نظر الانجليز، حصل على دعم مادي كبير من الحكومة البريطانية استغله كله في تأسيس جامعة إسلامية في مدينة عليكرة لدراسة الشريعة واللغة الأنجليزية ومبادئ التعايش مع الأخر.. وطبعا يقصد المحتل! وقد حصل السيد أحمد خان على لقب "سير" إضافة إلى الجنسية البريطانية من الملكة فيكتوريا، وبالغ تابعيه وتلاميذه في الإطراء والثناء عليه بوصفه (منقذ الوجود الإسلامي في الهند، ومنقذ الهنود من الإبادة)!!.. ومن هنا، بدأ الانجليز في تطوير تلك الاستراتيجية ونشرها في عديد من المستعمرات، التي بها اغلبية مسلمة، ونتابع حديثنا عن ذلك لاحقا.. فتابعونا
