عندما غزى السلطان سليم الأول تبريز عاصمة الصفويين عام 1514م (وقبل غزوه للقاهرة بعامين) انسحب اسماعيل شاه ورجاله، واستخدموا استراتيجية خاصة في التعامل مع العثمانيين، اذ أحرقوا كل الحقول والمزارع حول تبريز، وكذلك جميع مخازن الغلال والمحاصيل على اطراف المدينة. الى جانب ذلك شن الجنود القزلباش حملات ليلية على معسكرات العثمانيين يخطفون ما يستطيعون منهم ويحزون رؤوسهم! واستغلوا ايضا عامل الوقت الذي كان في صالحهم، فالمعركة كانت في شهر اغسطس، وفصل الشتاء على الأبواب وهو مالم يستعد له العثمانيون بالملابس مع انعدام الطعام لكل افراد الجيش! وبالتالي فقد اضطر سليم الى الانسحاب بجيشه لطرابزون رغم انتصاراته، مكتفيا بنهب ما استطاع حمله من كنوز الشاه واملاكه حتى رخام قصره!
![]() |
| الصورة طبعة حجريَّة ألمانيَّة تُصوِّرُ اقتتال العُثمانيين والمماليك في حروب الشوارع داخل القاهرة. تعود لعام 1694م. |
في حين لم يفعل طومان باي ذلك واكتفى بمواجهة مسلحة مع العثمانيين، هو يعلم انها غير متكافئة! فَ بعد هزيمته في الريدانية في يناير عام 1517م، عاد ليشن عليهم حرب شوارع مكتفيا بهذا، لم يدمر حقولا حول القاهرة، لم يحرق الشون السلطانية بما فيها من غلال وارزاق تكفي لاطعام الجيش وتفيض، لم يفكر في تضييق الخناق عليهم داخل المدينة التي يعرف جيدا مداخلها ومخارجها! كما لم تكن هجماته ليلية بل كانت حروبه في شارع الصليبة في وضح النهار. مع كثرة اعداد العثمانيين صارت تلك المواجهات غير متكافئة، اضافة الى تفوق السلاح الناري والذي كان حاسما عندما اعتلى الانكشارية مآذن المساجد وفتحوا نيرانا عشوائية على المقاتلين المماليك في الشوارع فقتلوهم وهم بعيدا عنهم، وهذا احدث فارق كبير نفسي ومعنوي قبل ان يكون حربي في نفوس قوات المماليك. ايضا في مواجهاتهم اللاحقة وان حققوا نصرا خاطفا في بعضها، كان السلاح الناري بيد العثمانيين حاسما من جديد.
ففي القاهرة واستعدادا لمواجهة العثمانيين، جمع طومان باي 90 ألف مقاتل نصفهم تقريبا من أهالي مصر والنصف الآخر من العسكر المماليك، كما استقدم 200 مدفع مع مدفعيين ايطاليين من جنوة ووضعها في صحراء الريدانية (العباسية) بهدف مباغتة العثمانيين عند مرورهم والانقضاض عليهم، وحفر الخنادق وملأها بالنفط، وعمل عديدا من الحواجز المضادة للخيول. ولكن تدخلت "الخيانة" من جديد لتكون سلاحا فعالا في صالح العثمانيين!
حيث تمكن والي حلب المملوكي خاير بك والذي التحق بخدمة العثمانيين من تأمين خيانة صديقه جانبردي والي حمص والذي تظاهر بالولاء لطومان باي رغم خلافه معه، ومن موقعه نقل الصورة بالكامل لمعسكرات العثمانيين وأشار عليهم بالالتفاف حول المقطم والهجوم على جيش المماليك من هناك، وقد علم طومان باي بالخيانة ولكن بعد فوات الأوان ولم يستطع معاقبته لأنه كان قد انسحب بقواته، كما كانت المواجهة على أشدها. وبالفعل تحرك السلطان سليم بجيشه، وأظهر نفسه يسير نحو العادلية على الطريق للريدانية ولكنه التف وبسرعة حول جبل المقطم ورمى بكل ثقله من الخلف على المماليك الذين يقفون في انتظاره بالريدانية، فوقعت المعركة وانتهت سريعا لصالح العثمانيين بتاريخ 22 يناير 1517.
| الصورة للفنان الألماني Matthäus Merian عن موقعة الريدانية بين العثمانيين والمماليك، وتعود للعام 1630م |
ولعل طومان باي ومن معه لو اتبعوا مع سليم شاه وجنوده نفس سياسة الشاه في تبريز لتغير الموقف! ولكن هذا قد يعود إلى خبرة اسماعيل شاه، والتي تفوق خبرة طومان باي ومماليكه، بمعنى آخر لم يكن بجعبتهم إلا هذا وإلا كانوا قدموه دفاعا عن أنفسهم وأرزاقهم، وقبل أن يجتاح سليم بلادهم ويقرر مصيرهم الأليم.

