في عام 1827م أرسلت حكومة فرنسا أربعة سفن من اسطولها لمحاصرة السواحل الجزائرية، بعد مشادة بين حاكمها والقنصل الفرنسي، وقد كانت ترغب في احتلالها منذ زمن، ولكن تخشى رد الفعل الإنجليزي تجاه تلك الخطوة الجريئة. وتفتق ذهن برناردينو دروفيتي قنصل فرنسا العام بمصر أن يعرض على محمد علي باشا التدخل بجيشه للإطاحة بحاكم الجزائر والسيطرة على الإقليم، وحاول إغراء "الباشا" بثروات البلاد الكثيرة وعدم جاهزية قواتها للدفاع عنها. وفي فرنسا كان جول دو بوليناك رئيس الحكومة يُعد العُدة، في حالة موافقة "الباشا"، أن يتدخل بجيشه عسكريا بحجة حفظ الأمن ومصالح بلاده في الشمال الأفريقي، فيكون أمام إنجلترا وباقي الدول الأوروبية راعياً لمصالحه وليس غازياً مستعمراً!
ولم ينتبه "الباشا" في البداية لتلك الخدعة، ولكنه واقع الأمر كان ينظر شرقا نحو الشام، وليس غربا نحو الشمال الأفريقي، فلو تهيأت له الأمور لمد سيطرته غربا فلم يكن يطمح أن يمدها أبعد من برقه، والتي خضعت للحكم المصري خلال العصر الإسلامي والمملوكي كبُعد إستراتيجي لمصر. ولذلك فرأي أن يطلب من دروفيتي شروطاً تعجيزية، فترفض حكومة فرنسا و"يخلع" نفسه من هذا المخطط بسهولة. فقال لدروفيتي إنه على استعداد لذلك، ولكن بعد أن توافق بلاده على اقراضه مبلغ عشرين مليون فرنك دفعة واحدة، ويردها هو خلال عشر سنوات قادمة، وأن يوافق السلطان العثماني على ذلك بل ويمنحه فرمانا بحملة الجزائر كما سبق وطلب منه في الحجاز والمورة، وأن تمنحه أيضا فرنسا أربع بوارج بحرية على سبيل الهبة، حتى يستطيع السيطرة على ولايات الشمال الأفريقي بالكامل، وتشدد في هذا الشرط الأخير وقال إنه لن يخرج بالجيش حتى يرى البوارج الأربعة ترسو في ميناء الإسكندرية..!
وما إن نقل دروفيتي تلك الشروط لبلاده إلا أن اعترضت فرنسا، وقالت إن انضمام تلك البوارج لأسطول محمد على كفيل بإقامة الحرب عليها، إذ تُدعّم قوة أخرى على الإستفحال في البحر المتوسط، وهذا يُعطي الحق بتدخل انجلترا وحلفائها تدخلاً لا هوادة فيه! ومن هنا جاء الرفض الفرنسي.
ولكن عاد بوليناك وعرض مشروعاً جديداً على محمد علي يقضي بأن تتعاون فرنسا معه تعاوناً عسكرياً فعلياً، فبينما يكون هو منهمكاً بإخضاع ولايتي طرابلس وتونس تسارع فرنسا باحتلال الجزائر بمفردها، وفي الوقت نفسه يكون الأسطول الفرنسي مستعداً لتقديم أي مساعدة قد يحتاجها "الباشا" في حروبه. وهنا أيقن محمد علي "الشَرك" الذي يريدون الإيقاع به فيه، فرفض ذلك وعلم أن فرنسا لا تريد أن تبدو أمام الرأي العام بأنها دولة استعمارية، وأن تخفي ذلك خلف محمد علي الذي سيقال إنه ذهب لإثارة الفوضى طرابلس وتونس! وعندما لم يجد بوليناك أملاً في تجدد المفاوضات مع" الباشا" من جديد، ذهبت قواته لغزو الجزائر بمفردها عام 1830م لتضع انجلترا أمام أمر واقع وتبدأ حربا طويلة مع المقاومة الجزائرية من ناحية، والتحرشات الإنجليزية باسطولها أينما كان في مياة البحر المتوسط من ناحية أخرى.
