هل حقا تعتبر شهادة ابن إياس الحنفي "مجروحة" كونه من المماليك؟

طارق الشافعي
كتب
0
على هامش حلقة طومان باي وما جاء بها من تفاصيل اجتياح العثمانيين للقاهرة، وما فعلوه بأهلها وبالمماليك، يُروج البعض من محبى الدولة العثمانية والمدافعين عنها، أن كل تلك الأقوال مصدرها المؤرخ "المملوكي" إبن إياس الحنفي وشهادته مجروحة كونه واحدا من المماليك!
 
ابن اياس الحنفي (تعبيريا)
 وفي الواقع هو قولٌ غريب، فهل كونه من المماليك، أو من أصول مملوكية بمعنى أدق، كفيل بأن أرفض شهادته على الأحداث؟ على هذا الأساس فلم لا نتجاهل أيضا شهادة ابن الأثير عن اجتياح المغول للموصل والجزيرة الفراتية، وشهادة النويري السكندري عن غزو القبارصة للإسكندرية، وما سجل الجبرتي عن فظائع الحملة الفرنسية، وما كتب عبد الرحمن الرافعي عن الاحتلال البريطاني.. وغيرهم، وكلهم من اهل البلد ويكتبون عن غزو الأعداء؟ بل أن مؤرخي أولئك الاعداء قد يستأنسون بشهادتهم أحيانا في كتبهم ومقالاتهم!
 
 
وان قلتم انه قد يكون اكل على موائد السلاطين! فلم تقبلون بشهادة بهاء الدين بن شداد في صلاح الدين الأيوبي، وايضا محيي الدين بن عبد الظاهر في الظاهر بيبرس، وقد كان كلاهما رجل دوله في عهد سيده، ومسئولا عن ديوان الإنشاء ويتقاضى راتبا شهريا، ومكلفا بكتابه سيرته التي يراجعها السلطان بنفسه ليكون مطمئنا لما كتب هذا او ذاك!.. 

ثم أن ابن إياس لم يكن حظياً لدى المماليك، فقد كان من فئة (ولاد الناس)، ولكنه عاش حياته بعيدا عن السلك العسكري أو المناصب الرسمية، عاصر السلطان قايتباي وابنه محمد و الأشرف جانبلاط والعادل طومان باي والغوري وطومان باي الثاني، ولم نجد ما يشير، ولو تلميحا، أنه قد تملقهم لغرض المنفعة أو سعى لنيل رضاهم أو لنيل الحظوة. فقد كتب ابن إياس أيضا عن مثالب الغوري وكيف تشدد جمع الضرائب، وكتب عن ضعف الأشرف جان بلاط وغيرهم، ولو طالعت كتاباته لا ترى فيها إلا عدلا وانصافا، وبعيدة تمام البعد عن التملُّق أو الزِّيف، فلِمَ نرفض شهادته، وقد اتفق معه معاصره ابن زُنبل الرمَّال، ولم يكن من المماليك اصلا؟
 
 
وقد لا تجد من يشكك في شهادة ابن إياس من الاكاديميين ابدا، ولكنه غالبا من "مؤيدي الدولة العثمانية" الذين يرفضون أن يقال عليهم أية مثالب! ويريدون العالم كله لا يروي عنهم إلا فتح القسطنطينية ومعارك المجر وحصار فيينا! ومن أجل هذا يفترضون أسبابا واهية لرفض شهادة واحد من أكبر مصادر التاريخ المصري في العصر المملوكي. ويبقى كتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لصاحبه ومؤلفه الشيخ أبو البركات، زين العابدين محمد بن أحمد المعروف بابن إياس الحنفي، مرجعا هاما من مراجع تاريخ مصر الاسلامي، وتبقى شهادته للأبد تحكي للأجيال ما فعله العثمانيون بمصر منذ أن وطأت أقدامهم أرض الوادي الخصيب. 

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)